الاحباط الشعبي لا يبرر الاحجام عن المشاركة
عبدو شامي
ان ثورة الارز وجمهور 14 آذار، على موعد في 14 شباط مع استحقاق حساس جدا ودقيق في مسيرة الحرية والسيادة والاستقلال.
ولعل اهمية الذكرى الخامسة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري ورفاقه هذا العام، انما تكمن في القرار الجريء الذي اتخذته قوى 14آذار، والذي استقر على احياء الذكرى بحشد جماهيري في ساحة الحرية كما درجت العادة في السنوات الاربع الماضية، مستبعدة ما تقدّم به البعض من اقتراح إحيائها باحتفال مركزي، الامر الذي جعل القوى الاستقلالية امام امتحان ذاتي واختبار شعبي يتوقف النجاح او الرسوب فيه، على حجم المشاركة الشعبية التي ستتمكّن تلك القوى من حشدها، لنكون بذلك امام احتمالين:
الاول : اما ان يجدد الجمهور السيادي ثقته وتأييده لقواه السياسية الاستقلالية عبر المشاركة الكثيفة التي اعتاد عليها في السنوات الماضية، فتتكلل تلك الذكرى الوطنية بالنجاح المأمول، وتتابع تلك القوى مسيرتها بمعنويات عالية للحفاظ على ما تبقى من وجه لبنان ودستوره ونظامه.
والثاني : اما ان يختار قسم لا بأس به من الجمهور الاستقلالي ، التعبير عن استيائه من اداء قادته، عبر الاحجام عن المشاركة ، فتكون عندئذ الخسارة مزدوجة والانتكاسة مضاعفة، اذ سينضمّ الى انتكاسة تقهقر اداء قوى 14آذار السياسي ، وسوء ادارة مسيرتها الاستقلالية، انتكاسة تقلّص حجم قاعدتها الشعبية الواسعة، ما لا يعني بداية نهاية تلك القوى وحسب، بل انهيار مشروع الدولة بشكل عام.
وبداهة، يمكن ملاحظة عقبتين اساسيتين من شأنهما ان تحولا دون نجاح قوى 14آذار في امتحانها المرتقب:
فالعقبة الاولى ، هي الانعطافة الجنبلاطية التي صدم بها الجمهور الاستقلالي الدرزي قبل سواه في الثاني من آب 2009 ، يوم اعلن النائب وليد جنبلاط انسحابه من قوى 14 اذار معتبرا ان وظيفتها السياسية " انتهت"ما شكّل ضربة قوية لهذه القوى.
اما العقبة الثانية فتكمن ، في حال الاحباط الشديد الذي أصاب قسما كبيرا من جمهور اللاحزبيين ، خصوصا وهم يراقبون تبخر انجازات 7 حزيران ، بسبب الطريقة الانهزامية التي خاضت بها قياداته استحقاق تأليف حكومة ما بعد الانتخابات، ما جعل الجمهور المحبط يتساءل: "ما الجدوى من مشاركتنا في 14شباط هذا العام بعد سلسلة التنازلات المخزية التي افقدتنا ثمرة انتصارنا ، وعلى اي مبادئ سيتحدث القادة؟! أعن الثلث المدمر الذي اعطوه؟! ام عن السلاح الميليشيوي الذي شرّعوه؟! ام عن تغيُّر لهجة بعضهم تجاه النظام السوري؟! ام عن خلافاتهم غير المبرّرة، والانقسام المعيب حول السلاح الميليشيوي في البيان الوزاري؟!".
وفي محاولة منا لتذليل هاتين العقبتين نقول ،ان الزعيم الدرزي المنقلب على نفسه وبانسحابه من صفوف قوى الاستقلال الثاني ، لم يستطع سحب الطائفة الدرزية بكاملها معه، فثمة قسم كبير منها ظل متمسكا بثوابت "ثورة الارز"، رافضا نسف سنوات نضاله المشرّف بتسليم عقله وقراره لزعيمه لكي يحرّكه كالعميان، ساعة مع العروبة وساعة مع ايران.
اما بالنسبة للمحبطين والمترددين في النزول الى ساحة الحرية فنقول لهم: نحن نتفهّم ترددكم ونستوعب احباطكم الناتج عن خطأ القوى الاستقلالية برفعها السقف عاليا لطموحاتها وطروحاتها وتعهّداتها اثناء حملاتها الانتخابية، في حين كان يجدر بها مصارحة جمهورها الاستقلالي بأمور خطيرة لا ينبغي اخفاؤها، وفي مقدمها اعلامه مسبقا ان فوز القوى الاستقلالية في الانتخابات على اهميته البالغة، لن يؤدي بلبنان الى "العبور الى الدولة" على نحو الشعار الذي خاضت على اساسه الانتخابات، بل كل ما في الامر واقصى ما يمكن تحصيله، هو ان ذلك الفوز سوف يؤخّر بعض الشيء مشروع "العبور الى الدويلة" الذي بات الغاؤه شبه مستحيل، بسبب الاشواط الكبيرة التي قطعها منذ زمن بعيد والدعم الاقليمي الذي يتلقاه. ولعل ابقاء القديم على قدمه في الحكومة الجديدة وكيفية تأليفها، وبيانها الوزراي الذي كرّس اتفاق الدوحة، خير دليل على ذلك.
لكن، على الرغم من هذه الاخفاقات المتتالية والصدمات المتلاحقة، لا تبرر لكم -ايها المترددون والمحبطون- التقاعس عن تلبية نداء الحرية ،عليكم ان لاتربطوا مشاركتم بأداء قادتكم السياسي، فجميع المسيرات الاستقلالية خاضعة ومعرّضة للاخفاق في مواقع والنجاح في مواقع اخرى. ويجب ان لا يغيب عن اذهانكم ان الذكرى هي في المقام الاول تحية وفاء واكبار للتضحيات التي قدمها شهداء الاستقلال الثاني الذين قدموا اعز ما يملكون ايمانا منهم بمبادئ ثورتكم؛ نعم ثورتكم انتم، انتم من صنع 14آذار وسبق قادته في ميادين الشرف. اياكم والشك بأنفسكم وبالانجاز التاريخي الذي حققتموه في 14آذار 2005وحافظتم عليه طوال السنوات الماضية بتضامنكم وتوحدكم مسلمين ومسيحيين في الاستحقاقات المصيرية، لذلك فإحجامكم عن تلبية النداء في 14شباط لن يكون عقابا لقادتكم على ادائهم السياسي المتقهقر، بل عقابا لانفسكم وتفريطا بما تحقق من انجازات وتعطيلا لاستكمال المسيرة واعادة تصحيح مسارها.
وتذكروا دائما انكم الضمانة الاولى لاستمرارية ثورة الارز، فمهما عصفت الانقلابات والتخبطات في الجسم السياسي لقوى 14آذار، لا خوف على تفكّكها على الصعيد الشعبي، فلانتفاضة الاستقلال حماتها وحراسها الحقيقيون، وهؤلاء هم شعب 14 آذار: جمهور نوعيّ طليعيّ، ليس مجرد اعداد وارقام وجحافل سيّارة تُحرّك بالريمونت كونترول وتُسيّر بالتكليف الشرعي، وهو نفسه الجمهور الذي ملأ الساحات منذ 14 آذار 2005، وهو يعيد الكرّة كلّ سنة في 14 شباط وسيعيدها بإذن الله هذا العام، جمهور نخبوي آمن ويستمر في التمسّك بلبنان.