Site icon Lebanese Forces Official Website

العلاقات اللبنانية – السورية بين محطات الماضي الخائبة ومحاولات الحاضر الحذرة: سيرة تدخل دائم في الشؤون الداخلية اللبنانية

كتب المحامي جورج ابو صعب: انطلاقا من ان الماضي هو دائما مصدر العبر للحاضر والمستقبل – وانطلاقا من ان اقامة افضل العلاقات بين لبنان وسوريا يستوجب تفهم كلا البلدين هواجس الاخر ونقاط شكه وتردده – خصوصاً عندما يكون الماضي الذي عرفته هذه العلاقات غير مشجع منذ قيام دولة لبنان الكبير وحتى ايامنا هذه – حيث بينت الحقائق التاريخية والسياسية ان سوريا كانت منذ البداية بعيدة كل البعد عن الاقرار بلبنان مستقل عنها، له ما له من سيادة واستقلال اسوة بأي دولة من دول المجموعة الدولية وعليه ما عليه من التزامات دولية انطلاقا من مصالحه العليا التي لا تتفق – بطبيعة حال الامور والمصالح بين كل الدول ولكل الدول – دائما مع مصالح سوريا ونظرة سوريا الى الامور والقضايا المطروحة.

ان تحليلنا التاريخي – السياسي الحالي ينطلق من ضرورة فهم الماضي جيدا كي نستطيع فعلا بناء حاضر ومستقبل افضل بين البلدين – لان وحدها الحقيقة تحررنا جميعا وتجعلنا اكثر قدرة ومناعة في رؤية الامور والفصل فيها وقول كلمة الحق ومعرفة حقيقة ما نطلبه وما نريده.

وفيما يأتي محطات سياسية وتاريخية اساسية في العلاقة بين البلدين – علنا نساهم في استكشاف نقاط الخلل الحقيقية التي لطالما يحاول السياسيون في لبنان وسوريا القفز فوقها او طمرها واخفاء معالمها ما زاد التكاذب تكاذباً والتأمر تأمراً والازمات ازمات.

اولا : العقدة اللبنانية الاساسية في النظرة السورية الى لبنان

لطالما تحكمت بالعلاقات اللبنانية – السورية هذه الازدواجية في الرؤية العقائدية لتلك العلاقات، حيث برز التيار المشدد على الخصوصية اللبنانية التي لا تتناقض مع العروبة طالما ان تلك العروبة في مفهومها الموضوعي لا تندمج بالعقيدة الاسلامية والاسلام، بحيث ان العروبة لا تعني الاسلام وحده بل المسيحية والاسلام في ان في هذا الشرق – فلاسلام دين سماوي يعتنقه االمؤمن بغض النظر عما اذا كان عربيا او اعجميا ( كما تركيا وايران وماليزيا واندونيسيا …) – في مقابل تيار عقائدي فكري لا يرى لبنان الا من خلال انتمائه الى محيطه العربي فكريا وعاطفيا وسياسيا واقتصاديا – ما ادى الى وقوع سوء التفاهم التاريخي بين البلدين ما لبث ان انفجر عند كل محطة مفصلية كانت تصل اليها تلك العلاقات الثنائية عبر التاريخ السياسي الحديث كما سنرى .

بعد نيل الاستقلال في كلا البلدين تحكمت بالعلاقات الثنائية هذه الصدامية بين النهجين اعلاه وتم تظهيرهما: الاول في لبنان من خلال اتباعه لنظام ديمقراطي برلماني ليبرالي قائم على الحريات العامة وصيغة التعايش المسيحي – الاسلامي والليبرالية الاقتصادية، في مقابل نظام قومي عروبي وحدوي يرتكز على الاقتصاد الموجه والفكر النضالي.

وفي ظل هذه الثنائية التصادمية فكريا وعقائديا انطلقت العلاقات اللبنانية – السورية في تاريخ حافل من التقلبات التي تراوحت بين اقصى التوتر واقصى التعاون – لكن ضمن معادلة ثابتة هي: تأثر وتأثير متبادل غالبا ما انعكس سلبا على العلاقات وأوصل الامور الى حد القطيعة فالعداء.

ثانيا : اعتبار سوريا لبنان جزءا منها

فقرة اولى : الدستور السوري لعام 1928 وتداعياته

على اثر انتخاب الجمعية التأسيسية السورية لهاشم الاتاسي رئيسا للبلاد السورية في 9 ايار 1928 وتلاوة مواد الدستور في 11 اب 1928 اقرت الجمعية التأسيسية نفسها مواد الدستور كافة والتي نصت المادة الثانية منها :"… ان البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية هي وحدة سياسية لا تتجزأ ولا عبرة بكل تجزئة طرأت عليها بعد نهاية الحرب العالمية "، في اشارة واضحة الى رفض الفكر السوري لوجود اراضي مسلوخة عن البلاد السورية بتكوين مستقل عن الارض السورية – وقد ادت هذه المادة المشار اليها الى ازمة بين السوريين والفرنسيين عندما اقدم المفوض السامي الفرنسي على تعطيل اجتماعات الجمعية التأسيسية السورية وحلها من ثم عام 1930.

فبرزت اول ازمة اعتراف بدولة واراضٍ لبنانية مستقلة (الملحقات او الاقضية الاربعة التي سلختها بنظر السوريين السلطنة العثمانية من الدولة السورية) – على اساس عقيدة سورية تعتبر لبنان جزءا منها وان اراضيه كانت سورية وقد سلختها السلطنة العثمانية – وقد نسي الفكر ذاته اياه بان الاراضي اللبنانية لم تكن يوما الا كيانا مستقلا استقلالا ذاتيا منذ امارة فخر الدين مرورا بالامارة المعنية وصولا الى انظمة المتصرفية والقائمقاميتين وجبل لبنان وترتيبات شكيب افندي – حيث لم تكن الاراضي السورية الا جزءا من السلطنة العثمانية، فيما كان جبل لبنان يتمتع بحكم ذاتي وحيد في المنطقة العربية.

فقرة ثانية: سياسة السوريين عام 1927 تجاه معضلة الدستور اللبناني

بحسب المؤرخ فيليب خوري – في كتابه "سوريا والانتداب" – وعلى اثر انقسام الحركة الاستقلالية السورية عام 1927 – كان جناح لطف الله – الشهبندر ( اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري – الفلسطيني ) مستعدا للاقرار والاعتراف بلبنان الكبير – في مواجهة التيار المتشدد المتمثل بحزب الاستقلال والعروبيين الراديكاليين المناصرين له – ( حزب الاستقلال كان ينادي في فكره السياسي بوحدة الدول العربية سياسيا مطالبا باللامركزية في سوريا لتقسم المقاطعات حسب الاقاليم كلبنان وفلسطين – تحت امرة الامير فيصل ).
لكن الاعتدال عاد سيد الموقف لدى الزعماء الوطنيين السوريين عندما صدر الدستور اللبناني وتضمن ما كان مشكلة ومعضلة كبيرة لهم متمثلة بـ "استقلال لبنان سياسيا واداريا عن سوريا وتشريع وجود منفصل للبنان عن سوريا …".

وفي برنامجها السياسي حددت الكتلة الوطنية في سوريا مطالبتها بتحقيق الوحدة السورية بما فيها المناطق الساحلية والداخلية التي الحقت بلبنان عام 1920 على ان يترك للبنان الصغير حرية تقرير مصيره ضمن حدوده المعترف بها دوليا.

ثالثا: الفكر السياسي البعثي السوري تجاه لبنان عام 1943

على اثر الاحداث السياسية الاستقلالية التي عرفها لبنان عام 1943 قام حزب "البعث" السوري بالتدخل في الموضوع اللبناني من خلال الدعوة الى قيام نضال موحد ضد المحتل والفرنسي لاجلاء الغرباء عن الارض – وقد طالب الحزب بتضامن شعبي وحكومي سوريين في سوريا ولبنان للاجلاء.

فضلا عن ذلك فان دستور حزب "البعث" ومنذ انعقاد مؤتمره القومي التأسيسي الاول عام 1947 ركز في بند اساسي من بنوده على ان: "… الامة العربية امة واحدة روحيا (نسف للتعددية الدينية اللبنانية ) وثقافيا (نسف للتعددية الثقافية اللبنانية) واقتصاديا (نسف خصوصية النظام الليبرالي اللبناني) – ولا يمكن لاي جزء ان يستكمل شروط حياته بمعزل عن القطر الاخر …".

فالفكر البعثي كان يعتبر ان قضية الوحدة اعمق واشمل من الحرية القطرية (ضرب مفهوم استقلال الاقطار عن بعضها ولبنان من بينها) والاساس المادي للاشتراكية ولا يتحقق الا في ظل الوحدة (عدم الاقرار بالحدود السياسية والجغرافية للدول العربية ومنها اولا لبنان) – وهذا ما تؤكده المصادر البعثية تماما (انظر هاني خليل – حافظ الاسد: الايديولوجية الثورية والفكر السياسي – طلاس للدراسات والترجمة والنشر – سوريا – 1992)

رابعا: التدخل البعثي المباشر في الحياة اللبنانية الداخلية

كانت الجامعة الاميركية في بيروت مسرح التقاء وتجمع الشباب البعثي في لبنان بعد تأسيس الحزب عام 1947 – بعد دمشق – وقد دخل بعض المنضوين الى البعث من الشباب اللبناني الى حركة القوميين العرب وكتائب الفداء العربي.

ومع اندلاع حرب فلسطين انضم البعثيون الى جيش الانقاذ بقيادة فوزي القاوقجي – اللبناني – فاجتمعوا مع المقاتلين في شبعا الجنوبية. وتؤكد المصادر البعثية نفسها (حمدان حمدان في كتابه " أكرم الحوراني رجل للتاريخ" – بيسان للنشر – بيروت – 1996) ان الدكتور علي جابر قصد دمشق لدراسة الطب في الاربعينات وحضر المؤتمر التأسيسي الاول للحزب في دمشق – فحمل فكرة البعث العربي من دمشق الى لبنان – فشكل اول خلية بعثية في الجنوب اللبناني – حيث طرحت مبادىء الغاء الطائفية والمذهبية والعروبة – ثم توسعت الخلية الى بيروت ليصل انتشار الحزب الى الشمال اللبناني وبخاصة في قضاء عكار في اوساط الفلاحين.

وفي عام 1953 بدأ البعث يركز نشاطاته في لبنان – مبشرا بعلمانية الدولة وايديولوجية الوحدة والاشتراكية – وعنها يقول باتريك سيل – في كتابه "الصراع على سوريا – دراسة للسياسة العربية بعد الحرب : 1945-1958": "ان قيادة الحزب ترجمت ايديولوجيتها بتمسكها بلبنان بلد عربي – وبالنظر الى القضية اللبنانية من ناحية قومية عربية للقضاء على الفتنة الطائفية والانعزالية من خلال النضال الشعبي… ".

وبحلول العام 1954 كان الحزب قد نمى في لبنان بين الاوساط الطالبية والمثقفين – وفي عام 1956عقد الحزب في لبنان مؤتمره التأسيسي الاول وانتخب قيادة لبنانية له – وقد تصادم الحزب مع الرئيس كميل شمعون وتولى قيادة الشارع اللبناني الى تأييد الثورة المصرية عام 1952 ومشروع الوحدة السورية – المصرية. .

خامسا: التدخل الشيوعي السوري المباشر في الشؤون اللبنانية في الثلاثينات

بموازاة التدخل البعثي المباشر في الحياة والشؤون اللبنانية السياسية كان للحزب الشيوعي السوري حصته من التدخل في الشأن الداخلي اللبناني.

ففي 7 تموز 1930 اعلن الحزب الشيوعي في سوريا. وعلى اثر صراعاته مع خصومه اقدم على اصدار عدة كتب لشرح عقيدته واهدافه وقد جاي في احدى هذه الكتب في كلامه عن اهداف الحزب ما نصه:

"… الغاء الدساتير التي فرضها المستعمرون على الشعب السوري ( سوريا – لبنان – بلاد العلويين – جبل الدروز – لواء الاسكندرون )… الغاء حكومتي سوريا ولبنان العاملتين على خدمة المستعمرين الافرنسيين في جبل الدروز والعلويين والاسكندرون … الغاء المجلس النيابي اللبناني الذي هو الة بيد المستعمرين …(انظر الحزب الشيوعي السوري – لماذا يناضل الحزب الشيوعي السوري ؟ – 7 تموز /يوليو 1931 ).

وعام 1936، كان الشيوعيون السوريون قد أنشأوا في بيروت "العصبة المضادة للفاشية ". ونظم الحزب حملة في بيروت لتأييد الانتفاضة الفلسطينية – ونشط الحزب في لبنان علنا وفتح مكتبين له في بيروت وطرابلس وخاض عام 1937 معركة الانتخابات النيابية اللبنانية بقائمة مشتركة – مكرسا بذلك تدخله المباشر في الحياة السياسية اللبنانية .

سادسا: الصراع بين الرئيس بشاره الخوري والسوريين (ايلول 1952)

بالعودة الى كتاب الرئيس بشاره الخوري "حقائق لبنانية"، يتبين بوضوح ان الرئيس الخوري يتهم السوريين بالوقوف الى جانب المعارضة في معركة استقالته والازمة السياسية التي اندلعت في لبنان في ايلول 1952 والتي عرفت بـ "الانقلاب المدني" – على خلفية اصطفاف المسلمين ضد الخوري ومطالبته بالاستقالة ورفضه اياها بداية وتشكيله حكومة الحاج حسين العويني ثم اضطراره تحت ضغط الشارع المسلم الى التراجع والاستقالة وتسليم رئاسة الحكومة للواء فؤاد شهاب – فعن هذه الحقبة يزعم الرئيس بشاره الخوري ان اديب الشيشكلي – حاكم سوريا انذاك – قد تدخل في الاحداث في ايلول 1952 لاقفال الاسواق التجارية في لبنان – ويشير السفير البريطاني انذاك الى ان الرئيس بشاره الخوري لم يكن في ذهنه سوى السوريين – ولا يشك السفير في ان المسلمين كانوا في الاسابيع التي سبقت استقالة الخوري على اتصال بدمشق – ما يبرر المخاوف المسيحية اللبنانية ولا سيما الموارنة من ان المسلمين بتعاونهم مع دمشق انما يعملون من اجل دولة عربية موحدة او فدرالية وهذا هو الكابوس الدائم لدى جميع المسيحيين اللبنانيين – وهم – بحسب السفير البريطاني نفسه يرغبون في طمأنتهم الى انهم اذا قاوموا حركة كهذه بالقوة – ستأتي القوى الغربية الثلاث ( بريطانيا – اميركا – فرنسا) لمساعدتهم … (راجع ارشيف وزارة الخارجية البريطانية ووثائقها الرسمية – رقم 556 تاريخ 20 ايلول 1952 ورقم 559 تاريخ 23 ايلول 1952).

والجدير الاشارة اليه هو ان الرئيس الشيشكلي كان قد تدخل مباشرة لدعم وصول كميل شمعون الى رئاسة الجمهورية اللبنانية على حد ما يقوله حميد فرنجية منافس شمعون للرئاسة انذاك (انظر كتاب نبيل وزينة فرنجية – حميد فرنجية – ج.1 )

سابعا: محطة حلف بغداد والتدخل السوري في سياسة لبنان الخارجية

انطلاقا من سياسة الحياد الذي انتهجها لبنان ازاء الانقسام العربي – العربي حول حلف بغداد عام 1954 – انتفضت الحكومة السورية من بيان زيارة الرئيس اللبناني

لتركيا والصادر في 6 نيسان 1955 والذي احتوى على بنود هادفة الى انماء
الصداقة اللبنانية – التركية والتركية – العربية في ظل احترام متبادل لاستقلال
وحقوق كل الدول المعنية ومساندة الدول العربية لتركيا وبالعكس، فحاولت سوريا فرض قطيعة ومقاطعة على لبنان تجلت من خلال بيان خالد العظم رئيس وزراء سوريا انذاك – بتاريخ 13 نيسان 1955 والذي فيه ابدى قلق سوريا من البيان المشترك اللبناني – التركي، معتبرا ان لبنان خرج من حياده المعلن في مواجهة الاصطفافات حول حلف بغداد – ذاهبا الى حد اعتبار لبنان بانه لم يعد وسيطا في النزاع السوري – التركي حول لواء الاسكندرون بعد ان اصبح بنظر السوريين طرفا في النزاع – ومن ثم شنت الصحافة السورية حملة على الحكومة اللبنانية واتهمت لبنان بانه اصبح مركزا للمتآمرين على سوريا والمتصلين بالعراق ضد النظام السوري (هكذا هو الفكر الشمولي – فاما معنا واما ضدنا) (انظر جريدة الحياة تواريخ 10 – 13 – 14 نيسان 1955 – وجريدة الشرق تواريخ 1 – 11 – 13 نيسان 1955- وكتاب سامي الصلح "احتكم للتاريخ" – دار النهار للنشر – 1970).

وقامت سوريا بتحريك الشارع اللبناني الموالي لها – من حزب شيوعي وقوميين عرب وحزب البعث والحزب التقدمي الاشتراكي انذاك – ضد مشاريع الاحلاف ولمحاول قطع الطريق على لبنان ان هو ابدى تجاوبا مع القيمين على حلف بغداد واطرافه – وعقدت هذه الاحزاب والقوى والشخصيات الوطنية اوائل 1955 مؤتمرا وطنيا اعلن في ختامه: معارضة حلف بغداد والطلب الى الحكومة اللبنانية اتخاذ موقف واضح لجهة عدم القبول بالدخول في اي حلف عسكري أجنبي حفاظا على لبنان واستقلاله (تهديد واضح من خلال القوى الموالية لسوريا للدولة اللبنانية بضرب الاستقرار الداخلي ان انحازت الدولة الى حلف بغداد او ان اتخذت قرارا سياديا يستجيب لمعايير مصالح لبنان العليا بمعزل عن مصالح سوريا) وقد ذهب الحزب الشيوعي الى حد اتهام سياسة الدولة اللبنانية والحكم اللبناني بالغوغائية (انظر الحزب الشيوعي اللبناني – تقرير اللجنة المركزية امام المؤتمر الثاني للحزب – ص.184- 186) .

ثامنا: تأمر الحكم في سوريا على لبنان – وثورة 1958

على اثر اعلان الوحدة السورية – المصرية وقيام الجمهورية العربية المتحدة انقسم الشارع اللبناني حيال الموضوع بين مؤيد ورافض – وبطبيعة الحال فان المؤيدين كانوا من حلفاء النظام السوري – المصري امثال الاحزاب الوطنية كالبعث والاشتراكي والقوميين العرب وسواهم – فيما وقفت الدولة اللبنانية والحكم اللبناني ومؤيديهما ضد الوحدة وقلقوا بشأنها لانهم رأوا فيها خطر على الاستقلال والكيان والسيادة والاستقرار اللبناني الداخلي (انظر صحيفة البيرق في 22 شباط 1958) – واذا بمجلس الاوقاف في طرابلس يعلن انفصاله عن المراجع المختصة في بيروت والتحاقه باوقاف دمشق – والنائب رشيد كرامي يعلن تأييده للوحدة – وفي الوقت عينه قررت السلطات السورية في الاقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة اتخاذ تدابير امنية مشددة على الحدود مع لبنان بسبب اتهام الحكم والحكومة في لبنان بانه يلعب دورا خطيرا في تهديد امن واستقرار سوريا (نفس التهمة كلما تميز لبنان في سياسته الخارجية عن السياسة السورية).

وراحت سوريا تتدخل اكثر فاكثر في تهيئة الاجواء للثورة ضد الحكم اللبناني وقد تدخلت مباشرة عبر تسليح وتمويل ودعم الطرف المسلم اللبناني – فالرئيس صائب سلام اقر في حينه بان سوريا ارسلت 120 شابا من المغاوير ومبلغ مليون وثلاثمئة الف ليرة لبنانية – ( مجلة " المجلة " – العدد 176- ص.30-31) كما ان قائد المقاومة الشعبية في بيروت رشيد شهاب يقر بانه تلقى مغاوير سوريين وبانه يوم اعلان العصيان المدني كان في دمشق يبحث مع العقيد برهان ادهم في ارسال كميات اخرى من السلاح – ويقر بانه تسلم السلاح بعد قيام الثورة على الحدود السورية – اللبنانية وكانت اسلحة سورية (انظر رشيد شهاب الدين – ارشيف المقاومة الشعبية – المغاوير السوريون ص 78 حتى 80) – فقامت السلطات اللبنانية بطرد 12 الف عامل سوري من لبنان خلال شهر ايار 1958 وتقدم الحكم اللبناني بشكوى ضد سوريا بتدخلها الى جامعة الدول العربية في 21 الشهر نفسه اعلاه تضمنت اتهام سوريا وخاصة وزير داخليتها العقيد عبد الحميد السراج وبتأثير من عبد الناصر بالتدخل في القضية اللبنانية ( انظر زهير ابراهيم – الاتجاهات السياسية – و بالفرنسية FICHES DU MONDE ARABE – RELATIONS AVEC LA SYRIE – ROLE DE LA SYRIE DANS LES EVENEMENTS DE 1958 – VOL. 1 – P3- LIBRAIRIE ORIENTALE) )

تاسعا: التدخل الاممي عام 1958 لكبح جماح التدخل السوري (ج.ع.م)في لبنان

مع تصاعد التوتر بين البلدين عام 1958 اثر اتهام لبنان للسوريين بالتدخل في الصراع السياسي الدائر بين الرئيس كميل شمعون والمعارضة اللبنانية على خلفية مبدأ ايزنهاور الشهير وحلف بغداد – اتخذ مجلس الامن بتاريخ 11 حزيران 1958 قرارا بارسال لجنة من المراقبين الدوليين الى لبنان للتأكد من عدم حصول تسلل اشخاص وادخال اسلحة ومعدات حربية الى الاراضي اللبنانية من سوريا ( او ما كان يسمى الاقليم الشمالي من ج.ع.م) – ووصل المراقبون الى بيروت بتاريخ 12 حزيران 1958 في وقت كانت المعارضة اللبنانية للنظام قد سيطرت فعليا على المناطق المحاذية للحدود اللبنانية – السورية وجبل عامل وجزء من العاصمة بيروت – ومع وصول اللجنة الاممية لمراقبة الحدود اللبنانية – السورية أخفت المعارضة كافة المظاهر التي يمكن ان توحي بوجود تدخل أجنبي (سوري) لاثبات ان الاحداث الدائرة في لبنان أزمة داخلية فقط (صحيفة لو موند الفرنسية – تاريخ 17 حزيران 1958 – ص.5- للكاتب الصحافي الفرنسي ادوارد سابلييه).

يقول الصحافي سيرج مانييه في صحيفة le Parisien libere بتاريخ 28-29-30 حزيران 1958 ما حرفيته : "… ان سوريا لن تترك لبنان مستقلا …" (ص.3) – فيما الرئيس كميل شمعون يؤكد وجود بين ثلاثة الى اربعة الاف متسلل من سوريا الى لبنان بدعم من (ج.ع.م) ( Camille Chamoun – Crise au moyen Orient – Gallimard – Paris – France – 1963 – P.47 et suiv.) – وفي الوقت عينه يؤكد المراقبون الامميون ان التسلل السوري حصل ولو – بحسبهم – على نطاق ضيق – بينما تؤكد صحيفة Le Parisien Libere ومعها صحيفة لو موند Le Monde بان وجود تدخل سوري شمال لبنان من خلال المساعدات العسكرية والتدخل المباشر من قبل الجيش السوري – والبعثة الاممية لم تتمكن من التأكد من وجود او عدم وجود تدخل أجنبي بسبب قلة عدد المراقبين ووسع انتشارهم الجغرافي فضلا عن عدم امكان تمييزهم عمليا بين اللبنانيين والسوريين (لو باريزيان ليبيريه ولوموند – اعداد 5 و6 تموز 1958 – ص. 1-3-5) .

عاشرا: التدخل السوري التحريضي المباشر في الشأن اللبناني في مواجهة الانزال الاميركي في بيروت ( 15 تموز 1958)

بتاريخ 15 تموز 1958 بدأ الانزال الاميركي في بيروت واستكمل في 16 منه في الوقت نفسه نزول قوات بريطانية شرق الاردن بطلب الملك حسين – يومها وجه الرئيس كميل شمعون خطابا الى الامة شارحا خلفيات طلبه التدخل العسكري الاميركي – متهما (ج.ع.م) بالتدخل في الشؤون اللبنانية مبررا طلبه التدخل بفشل جامعة الدول العربية والامم المتحدة في اتخاذ قرار يرد عن لبنان تدخل جيرانه في شؤونه – طالبا تنفيذ المادة (51) من شرعة الامم المتحدة لحفظ سيادة لبنان (جريدة نداء الوطن – وجريدة الاحرار – جريدة الديار – تاريخ 16 تموز 1958)

فاتصل عبد الحميد السراج من دمشق في منتصف الليل بالرئيس صائب سلام طالبا منه مواجهة القوات الاميركية وعدم السكوت على الانزال ( صائب سلام – "وقائع سرية عن احداث 1958 "– مجلة المجلة – العدد 175- حزيران 18-24 حزيران 1958 – ص.30) .

كذلك اتصل العقيد برهان ادهم بقائد المقاومة الشعبية رشيد شهاب الدين في بيروت لسؤاله عن سبب عدم تحرك المقاومة ضد الاميركيين – وقد ابلغ ادهم القائد شهاب الدين بأن الجيش السوري يقف بجميع قواته على الحدود اللبنانية – السورية لدعم المقاومة … ( رشيد شهاب الدين – ارشيف المقاومة الشعبية – وقائع سرية عن ثورة 1958 – ص. 28 – 29 ) .

الحادي عشر: معارضة دمشق انتخاب الرئيس شهاب وتهديدها لبنان عسكريا

من اوجه التدخل السوري في الشأن اللبناني ايضا معارضة دمشق انتخاب الرئيس فؤاد شهاب وقد كانت تفضل الرئيس بشاره الخوري – وقد تلقى قائد المقاومة الشعبية في لبنان انذاك رشيد شهاب الدين امرا من رئيس المكتب الثاني السوري العقيد برهان ادهم بقصف المجلس النيابي اللبناني بمدفعية الهاون اذا تأكد انتخاب فؤاد شهاب رئيسا بغية تعطيل جلسة الانتخابات قبل حصولها ( يوميات وثائق الوحدة – الوثيقة 17 – ص 409 – دمشق تأمر بضرب البرلمان بمدافع الهاون في حال انتخاب فؤاد شهاب رئيسا ) – لكن تفاهما سوريا – مصريا في اللحظة الاخيرة حمل دمشق على الموافقة على انتخاب فؤاد شهاب رئيسا .

وقد رسمت خطط عدة للاطاحة بالرئيس شمعون وانهاء ازمة 1958 ومنه خطة كشفها رشيد شهاب الدين نفسه باقراره بان اتفاقا كان حصل مع الزعيم كمال جنبلاط وشوكت شقير على تنفيذ خطة لانهاء الازمة تعتمد على المقاومة الشعبية في بيروت والمغاوير السوريين والقوى المدرعة للجيش اللبناني بامرة العقيد جميل عيد – لترحيل الرئيس شمعون الى الخارج بعد تطويقه في محلة القنطاري (حيث كان مقر القصر الجمهوري انذاك) – لكن صائب سلام سرب الخطة الى قائد الجيش فؤاد شهاب انذاك ففشلت الخطة.

وبتاريخ 15- 17 اب 1958 ، فشلت محاولة ثانية للاطاحة بالرئيس شمعون بتدخل سوري مباشر – بحيث كان قائد الخطة الثانية انذاك العقيد فؤاد لحود قائد منطقة الجنوب العسكرية في الجيش اللبناني – وقد نسق الخطة مع المقاومة الشعبية والسوريين لانهاء ولاية شمعون – وايضا كشف الرئيس صائب سلام الخطة للواء شهاب وفشلت الخطة وانتهى لحود بالاقالة من الجيش بتهمة التأمر على الدولة (رشيد شهاب الدين – ارشيف المقاومة الشعبية – وقائع سرية عن ثورة 1958 – ص. 47 الى 54 ) وايضا ( جريدة العمل – 25 ايار و 24 حزيران 1958) .

وبتاريخ 4 تشرين الثاني 1958 اتهم الرئيس سامي الصلح من باريس ج.ع.م. بعدم التوقف يوما عن التدخل في الشأن اللبناني واتهم المكتب الثاني السوري بتجنيد عملاء له من السوريين العاملين في لبنان واللاجئين الفلسطينيين للمشاركة في اعمال الثورة (جريدة بيروت المساء – والجريدة – والحياة في 5 و 7 تشرين الثاني 1958) .

وعلى اثر حصول الانتخابات النيابية في 12 حزيران 1960 (عهد الرئيس شهاب وبعد تعهدات عبد الناصر الشهيرة في لقاء الخيمة الحدودي باحترام استقلال لبنان وعدم التدخل في شؤونه) شنت الاجهزة السورية حملة ضد الانتخابات – فاتخذت السلطات اللبنانية انذاك تدابير امنية طارئة في البقاع مخافة افتعال حوادث يوم الانتخاب ( البقاع من مناطق لبنان الواقعة دائما تحت التأثير السوري ) – وقد تم ضبط متسللين سوريين الى داخل اراضي اللبنانية للقيام باعمال شغب – واعيدوا الى سوريا ( انطوان الناشف وخليل الهندي – العلاقات اللبنانية – السورية 1943-1985 – ج 1 – ص 188) .

وبتاريخ 22 كانون الثاني 1961 اعتقلت السلطات اللبنانية ضابطا في الجيش السوري يدعى احمد عردوس و25 من مرافقيه اعترفوا فيما بعد بانهم جاءوا الى لبنان بمهمة من المكتب الثاني السوري لاغتيال مسؤولين في الحزب الشيوعي والحزب القومي السوري ("النهار" 20 و 23 كانو الثاني 1961) .

الثاني عشر : التدخل السوري في الانتخابات البلدية اللبنانية عام 1936

على خلفية الصراع بين انصار الناصرية وانصار الانفصال السوري عن الوحدة العربية – في لبنان – اصدر وزير الداخلية اللبنانية انذاك الزعيم كمال جنبلاط قانونا جديدا للانتخابات البلدية والاختيارية في شهرايلول 1936 – وقد كتب الوزير جنبلاط يومها مقالا في جريدة الانباء نشر بتاريخ 25 ايلول 1936 يكشف فيه الى حد بعيد التدخلات السورية والتمويل الخارجي ضد لائحة الرئيس رشيد كرامي التي نجحت في طرابلس – في مقابل اللائحة المدعومة سوريا والمؤلفة من مرشحي حزب البعث الحاكم في سوريا (كمال جنبلاط – ربع قرن من النضال – الدار التقدمية – بيروت – لبنان – 1978- ص 236).

وفي خلال شهر ايلول من العام 1964 هاجم الزعيم النائب – انذاك – كمال جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي – نظام البعث في سوريا – متهما اياه بالتدخل في شؤون لبنان من خلال تخطيط وتنفيذ عمليات تهدد امن لبنان – وفي 25 ايلول من العام نفسه اصدرت السلطات اللبنانية مرسوما منعت بموجبه حزب البعث من ممارسة نشاطه السياسي – بعد ثبوت تدخل سوريا من خلاله في الحياة العامة اللبنانية – (جريدة النهار – تاريخ 11 – 19 – 26 ايلول 1964 ).

الخاتمة:

انها محطات اساسية وليست كل المحطات التي سجلها تاريخ العلاقات اللبنانية -السورية الحديث – اذ تعمدنا عدم العودة كثيرا الى الوراء في عمق التاريخ القديم ابتداء من عام 1800 وما يليها – محطات تثبت بالوقائع والحقائق والوثائق امرين اساسيين يجب ان لا يغيب عن بال اي مسؤول لبناني اليوم:
– الامر الاول: وجود فلسفة وجودية سورية لا تقر باستقلال وسيادة لبنان لا بل تعتبره الصدى الطبيعي لمصالحها – لا بل الحديقة الخلفية لسوريا في سياساتها وعلاقاتها المحلية والخارجية.
– الامر الثاني: الدور السياسي البارز الذي لطالما لعبته دمشق في تحريك وتقسيم وتشتيت الحياة العامة في لبنان – من خلال اعتماد مبدأ الاصطفاف بين موالين لها من اللبنانيين ومعارضين لها من اللبنانيين- ما يكفي لللامساك بالصاعق المفجر للوضع اللبناني في اي وقت.
من هنا فان المحطات السياسية – التاريخية التي اردنا ابرازها في هذه الدراسة المختصرة – هي التي اسست عبر تراكم زمني وفكري وعقائدي معين – المسألة اللبنانية لدى حكام الشام – وهي التي طبعت بشكل راسخ في مختلف مراحل الاحزاب والانظمة السورية – هذه النظرة الى لبنان – على انه اما ان يكون جزءا من ارض سوريا وسيادة سوريا وسياسة سوريا واما ان يكون ساحة تصقية سورية لحساباتها على ارضه مع الاخرين – وقد راينا كيف ان سوريا كانت تستخدم لبنان عندما ناوأت حلف بغداد – وكيف استخدمت لبنان عندما ارادت تسويق نفسها لدى عبد الناصر ابان الوحدة السورية – المصرية – وكيف استخدمت لبنان عندما ارادت مناهضة ناصر – وكيف استخدمت لبنان عندما ارادت ان تكون انفصالية – وصولا الى ايامنا هذه كيف استخدمت لبنان عندما ارادت ضرب نفوذ عرفات والمسلمين في لبنان – وكيف عادت وضربت المسيحيين اللبنانيين عندما خسرت ورقة المواجهة العربية – الاسرائيلية مع اتفاقات كامب دايفيد – واستخدمت لبنان للمقايضة مع الاميركيين ابان حرب الخليج الاولى – واستخدمت لبنان ابان حرب الخليج الثانية لتنتزع من واشنطن التوكيل الشامل والمطلق في لبنان الذي سمح لها بالتحكم بلبنان حتة اغتيال الرئيس الحريري .

من هنا اهمية فهم الماضي والتاريخ لبناء المستقبل القوي والصادق بين البلدين.

قال السياسي اللبناني الكبير المرحوم العميد ريمون اده في حديث له مع جريدة "الجريدة " بتاريخ الاول من شباط 1962 بما يشبه الوصف العلمي الدقيق لحقيقة تكوين لبنان السياسي لم يخل من حس تنبوئي: " … في لبنان عدة تيارات وعدة قوميات – هناك قومية لبنانية – وهناك قومية عربية – وهناك قومية سورية – وفي لبنان اعتقاد اجماعي بل ايمان ثابت لدى جميع اللبنانيين بان لبنان وطن نهائي له شخصية مميزة والتي لا يمكنها ان تذوب في اي شخصية اخرى .. ولكن في لبنان فئات متعددة من حيث الاعلان عن تحديد هذا الكيان والاعراب عن صيغة الايمان بالكيان اللبناني …".

فليس في لبنان عروبة واحدة ذات منبع فكري وسياسي واحد – وليس في لبنان قومية واحدة ذات مرجع واحد وعقيدة واحدة ونمط سياسي واحد ورؤية واحدة للمستقبل – لكن في الوقت عينه في لبنان ايمان فطري بنهائية الوطن اللبناني واقرار جماعي ضمني بخصوصية لهذا الوطن لا يمكن ان تبنى معه العلاقات على قاعدة الابتلاع او التبعية او الضم او الفرز العقاري او الجيو – سياسي .

اننا نريد مستقبل زاهر وناجح للعلاقات اللبنانية – السورية – ولكن نريد ايضا ولو لمرة واحدة ان يفهم السوريون بان لبنان اما ان تحترم في علاقات الاخرين معه – خصوصياته – واما ان لا يكون هناك علاقات الا في حدها الادنى البروتوكولي – فلا يجب ان نحول الواقع الجيو – سياسي الى لعنة تصيب لبنان فقط بل فلتكن تلك اللعنة نعمة اذا ما استوعب الجار السوري ضرورة معاملته بكل احترام واستقلال وحرية على اساس المصالح المشتركة وليس المصالح المتفوقة لطرف على مصالح الطرف الاخر .

اردناها دراسة تحليلية لواقع وحقيقة قل السياسيون الذين يحبون الدخول في تفاصيله مخافة ايقاظ عفاريت الماضي وتعكير صفو تحولاتهم السياسية – تكتية كانت ام استراتيجية – عسانا قد وفقنا في ما اردنا ايصاله من رسائل واضحة لمن يهمه الامر.

Exit mobile version