ما يحتاج اليه لبنان في هذه المرحلة الانتقالية، اذا جاز التعبير، هو الكثير من العمل والانتاج والاصلاح، وتثبيت دعائم الدولة والمؤسسات وسلطة القانون، والقليل القليل من الزجل السياسي والهرطقات السياسيّة والمواويل السياسيّة.
حتى بات الناس يقفلون التلفزيونات بأسرع من لمح البصر كلما لاحت لهم على الشاشة منازلة أو مقارعة زجليّة حول عمق البحر في عمق المياه الاقليميّة وعلو الثلج في القرنة السوداء… ومسؤوليّة الحكومة والدولة والنظام والتشريعات عن رداءة الطقس، أو عدم سقوط الثلوج.
مثلما يسارعون، وبالحدّة ذاتها والنقمة ذاتها، الى تغيير المحطّات عندما تلوح لهم مبارزة شفهيّة في مادة التاريخ والجغرافيا والنسبيّة، ومستوى الشهادات العليا لدى الذين سيترشحون للانتخابات البلديّة والاختياريّة…
وخُذْ على ندوات تلفزيونية، وإذاعية، مسرحيّة، ومدرسيّة، يقودها ويخوض غمارها خبراء سياسيّون مدجّجون بالكفايات والاختصاصات والخبرات، فضلاً عن المحللين والاستراتيجيّين الذين بات عددهم يناصف عدد سكان لبنان من مقيمين ومهاجرين.
وتدبك، عندئذ، بين الفرق المفرزة لهذه الغاية عند هذا الحزب، وذاك التيار، وتلك الطائفة، وهاتيك الكتلة، وذيّاك التكتّل، وللتصدّي بأصوات ونبرات أين منها العواصف الرعديّة التي تصاحب العيانات الثلجية عادة.
في كل مناسبة، عند كل استحقاق، لدى الدخول في أيّة ورشة اصلاح اداري وتعيينات جديدة، لا بدّ من بروز دزيّنات من المشكلات والأزمات والسجالات والاشتباكات السياسيّة، التي تنقضُّ فوراً على النظام والصيغة والتفاهم والتوافق، وعلى كل ما يجمع ولا يفرق، وفي اتجاه كل ما يدعم الاستقرار ويرسخ الأمن، ولا يفتح أبواباً تعبر منها الريح.
مما يستدعي، تلقائياً وعن سابق تصوّر وتصميم، دخول فريق ثالث، أو ما كان يُسمى في السبعينات طابور خامس وأيدٍ خفيّة.
وبهجمة مضريّة، وحالاً وسريعاً، يحصل الانقضاض على الدستور والميثاق وتوزيعات المناصب والحصص في المؤسسات والادارات، ومباشرة الى ما لم يطبّق من الطائف بعد.
فيرتجف البلد تلك الرجفة التي تعيد الى الأحياء والزواريب والضواحي، التي تعجُّ بالطوائفيّة والمذهبيّة، تلك النقزة المتحفزة دائماً لإشهار الغضب المصحوب بالسيف والترس…
كلا، لا يحتاج لبنان الى نظام سياسي جديد. ولا يحتاج نظامه الذي أدهش العالم بذكاء نصه ودقته الى أية تفسيرات، او توضيحات، أو إضافات جديدة.
فالعلّة ليست هنا، بل في النفوس، في الناس في الانانيّات والمصالح والشهوات.
فنظام لبنان يكاد يكون الأفضل والأمثل والأكمل بين كل الأنظمة الديموقراطية البرلمانيّة في العالم.
فدعوه وشأنه، وانصرفوا الى ما فيه فائدة ومنفعة ومصلحة، والى ما يساعد هذا البلد المعتّر على استعادة عز زمان.