#adsense

والعقل الأسود ؟!

حجم الخط

هذا بلد مترع بالمآسي الى درجة انه لم يعد يتحمل مزيداً من اخبار الموت ودوي الفواجع. لكنه بلد اشبه بغابة فيها كثير من الوحوش والضواري والكواسر والافاعي والزواحف والحشرات ايضا!
وهكذا يغرق الاهالي المنكوبون بالطائرة الاثيوبية في بحرين:
البحر الذي صار مسرحا للمأساة، ولم يعد في وسع قلب أم او عقل أب او شعور أخت او ابن، ان يرى في الشاطئ غير فقش الألم والدموع.

والبحر الثاني من دوي الاخبار والتصريحات والاجتهادات والاستنتاجات واستعجال الاشاعات واستمطار قذارة التسييس (نعم التسييس) ومحاولات توظيف الكارثة في تسجيل النقاط، وقد بلغت الفظاظة حداً دفع البعض تارة الى محاولة الايحاء الرخيص ان وراء سقوط الطائرة ما وراءه، والله اعلم(!) وتارة الى محاولة اتهام الدولة بانها عرفت اين سقط حطام الطائرة منذ اسبوع ولكنها لم تعلن، او انها لم تصدق "شاهدا" من شهود من المؤكد أنهم لم يميزوا في ذلك الفجر العاصف بين برق يلتمع في السماء وهيكل طائرة منكوبة يتهاوى في الماء!

❒❒❒

في تاريخ الطيران عدد كبير من الكوارث المشابهة، تتمثل بسقوط طائرات في البحر. بعضها استغرق الاهتداء الى حطامه وضحاياه شهورا، وبعضها استغرق اعواما، وبعضها بقي لغزا في ذمة اليم، او صار ملحا في ذمة البحر!

ما فعلته الدولة اللبنانية قد يشكل سابقة في سرعة الاهتداء الى الحطام، وهو بالتأكيد سابقة في تسابق المسؤولين وحماستهم واندفاعهم لمعالجة الامور المتصلة بالفاجعة، فمنذ اللحظة الاولى تحركت الدولة على مستوى الرؤساء الثلاثة ومعظم الوزراء ذوي الصلة وغيرهم، اضافة الى النواب والاجهزة المختصة، وعلى امتداد الساعات رابط المسؤولون في الاجهزة المعنية فوق الماء وتحت الماء وعند فقش الموج وفي المستشفيات وعلى الطرق وعند كل قطعة معدن لفظها البحر.

ولكن منذ اللحظة الاولى انطلق جيش من "المندوبين"، ومعظم هؤلاء غارق في حماسة التقاط "الخبر" اكثر من حماسة اهل المصاب في التقاط بصيص الامل، فكان بحر هائج ومائج من الارتجال والاجتهادات والاستنتاجات والاستعجال والاستناد الى روايات كيفما اتفق!

بعض هؤلاء المنخرطين في معمودية تغطية اخبار الفواجع والكوارث، استعمل تعابير وكلمات واوصافا وروايات لا تليق بفداحة الكارثة، ولا تقف عند حرمة الموت، ولا تتذكر فيض الالم في البيوت المنكوبة وفي قلوب الاهل، وقد صارت هي ايضا صناديق سوداء، لن ينتشلها احد قط، ولن يدخل أساها الابدي نسيان، لان هناك جروحا لا تلتئم فتظل تنزف كما البحر وتظل تلطم كما الموج.

❒❒❒

لقد أُدخلت السياسة الى حواشي المأساة فوضعت اولا علامات استفهام على الاستعانة بالاميركيين في البحث عن الحطام، ثم وضعت استنتاجات رخيصة حول تنافس فرنسي – اميركي هدفه الاستئثار بالبحث عن الصندوقين الاسودين قبل ايجاد جثامين الضحايا، ولاسباب تنافسية تتصل ضمناً بالسمعة والتجارة وما الى ذلك!

والبحث عن طائرة في بحر مائج وهائج ووسط عاصفة وجبال من الموج، هو كالبحث عن ابرة في كومة من التبن، ورغم هذا بدا اهل الضحايا اكثر تماسكا وصبرا من بعض اهل السياسة ومن بعض الموفدين مع كاميراتهم وألسنتهم وتعابيرهم التي افتقرت احيانا كثيرة الى الحد الادنى من الحس واللياقة واحترام حرمة الموت ورهبة الجثة ووجع المفجوعين من الاهل يحطون مثل النوارس عند صخور الشاطئ والموج، وصراخ الابناء والازواج والاعزاء في الاعماق، او ينهارون امام المستشفيات ولكأنهم هم "الجثث" الاخرى قد لفظها بحر الالم والحزن والاسى!

❒❒❒

لا، الدولة لم تقصر. ربما حماستها الصادقة، ونحن بلد مترع بالمآسي، افاضت في بعض التصريحات، مما خلق تناقضا احيانا والتباسا احيانا اخرى. ولهذا، وبعدما تحول لبنان من وطن الى غابة فيها كل هذه الضواري من السياسات وكل هذا الهوام من الارتجال والاستعجال، يفترض تشكيل "هيئة وطنية للكوارث"، شرط ان لا تتحول بدورها كارثة تبدأ بالخلاف على محاصصة التعيينات فيها، وهو امر لن يكون يسيرا، لاننا لم نعثر على امتداد تاريخ هذا الاستقلال على "العقل الاسود" الذي أضعناه في لُجّة الانقسامات!

المصدر:
النهار

خبر عاجل