مــقــدمــة لا بــــدّ مــنـــها..
مساء ذاك اليوم الشباطي من سنة 2005، وعلى أثر الانفجار الضخم الذي أوْدى بحياة الرئيس رفيق الحريري، اتصلت بالعماد ميشال عون في باريس، ردّت زوجته وقالت لي: "ليس هنا حاليًا، ذهب الى دارة آل الحريري في باريس لتقديم واجب التعزية"… ولأوّل وهلة استعدت كلّ الخطابات والبيانات والطروحات التي سيقت ضدّ رفيق الحريري، وهو لم يكن يردّ.. وليقيني أنّ الرجل لا يردّ على الاتهامات لأحد سببين:
الأول، كونه لا يريد الانزلاق الى لعبة السجالات الضيقة في الملعب اللبناني الممتلىء بالوحول والرمال المتحركة، والثاني، أنه كان من ممتهني فكرة "أعمل اليوم والحقيقة تظهر غدًا"…
عصر يوم 31 كانون الثاني 2010، وأنا في طريقي الى فندق "البريستول" للمشاركة مع رفاقي في الاجتماع العريض لقوى "14 آذار"، ذهب نظري الى البعيد البعيد في أسواق بيروت التجارية، ورحت اتأمل العمران، واستعدت مشهد الوسط قبل أن يشرع رفيق الحريري بمشروع نهضة بيروت، وسألت نفسي السؤال التالي:
لو ترك الحريري الناس تبني بيروت من جديد دون أن يتدخل عبر سوليدير ومن دون أن يفرض لمسة الاطار التنظيمي الجديد لبيروت بحيث عادت الأسواق التجارية كما كانت عليه قبل العام 1975، بمعنى أن يعود سوق الطويلة وسوق السمك وسوق اللحمة وسوق…كيف كانت ستكون بيروت اليوم؟
وعندما تغوص في تاريخ الشخصيات السياسية التي عرفها لبنان منذ العام 1943 ولغاية اليوم، لا تجد سوى عدد قليل ممَن اهتم بالبشر وبالحجر، وقد عرف لبنان طبقة من السياسيين همّها أن تؤمّن لأولادها وجماعتها أفضل مستلزمات العيش. أمّا باقي أطياف الرعية فكانوا في أفضل الأحوال من جماعة المؤيدين الذين يدلون بأصواتهم خلال الانتخابات النيابية، وكان لأحدهم قول شائع عندما سأله ابناء دائرته الانـتخابية لماذا لا يبني لهم مدرسة كي يتعلمّ أولادهم فقال لهم "من أجل ماذا تريدون بناء مدرسة؟ فإبني يتعلّم"…
وبعد استشهاد رفيق الحريري، عرفت أنه ساهم وساعد في تعليم أكثر من 30 الف طالب لبناني، ومنهم مسلمون شيعة ودروز، ومنهم ايضًا مسيحيون…
قد يستغرب البعض لماذا هذا الكلام اليوم؟
الجواب هو للوصول الى المعادلة التالية: أيّ من الزعماء اللبنانيين ساهم بتعليم الأجيال من ماله الخاص؟
أيّ من الزعماء اللبنانيين كان له هذا الكمّ الضخم من ورش الإعمار والبناء والترميم؟
أيّ من الزعماء اللبنانيين لم ينغمس في لعبة الدم؟
والأهم من كل هذه الأسئلة: مـاذا فعلوا، ماذا قدّموا للبـــنان؟
لـمـاذا تــريــدونـني أن أشـارك يـوم 14 شبـاط؟؟
صحيح أن اللبناني كفر بالطبقة السياسية، وصحيح أنّ المواطن شبع خطابات ومهرجانات، وتعبت يداه من التصفيق لهذا وذاك، ولكن في الوقت ذاته، أحد منّا لم يطرح على نفسه السؤال المحوري الأساسي: الى اين نحن ذاهبون؟ والى اين يأخذون لبنان؟ ومَن يحكم لبنان اليوم؟ وهل الدولة المركزية تتحكم أو تحكم او محكومة؟ والأهم من كلّ، ذلك لماذا من جديد تدعونا قوى "14 آذار" للنزول الى الساحة يوم 14 شباط؟
دعونا نكون موضوعيين، الناس لم تعد تصدّق ما يجري من حولها، والناس تشاهد كيف أن مجموعة تسمّي نفسها مقاومة تتحكم بمصير البلاد والعباد، وتجرّنا الى أماكن ومواقع أوقعت بلبنان الويلات والخراب والدمار..
ولنكن أكثر موضوعية، فنقول أن اللبنانيين تحولوا الى شعب عاجز عن إحداث التغيير، كونه حقق انتصارات انتخابية على كافة المستويات النيابية والمهنية والنقابية والطلابية، ليقابلنا الفريق المتسلّط المسلّح بالتعنّت وبمزيد من وسائل التهويل والتهديد والتي تؤدي بنهاية مطافها الى سقوط الهيكل على الجميع ان لم يتم استدراك هذا الجنون المتمادي من قبل فريق نحر الذات والانتحار..
اذا"، ما العمل؟ وكيف السبيل للوصول الى الدولة، بمعنى اوضح كيف نعبر الى الدولة؟؟
تعالوا نشرّح الواقع السياسي الحالي في لبنان اليوم، وتعالوا نسميّ الأمور كما هي،
في لبنان اليوم خطين ومنهجين ومسلكين وحزبين وطائفتين وشريحتين وفكرين..
في لبنان اليوم مجموعتين: الأولى اسمها حزب الله ومن معها من احزاب وتيارات لا يمكن وصفها أو تصنيفها الاّ بمصطلح واحد هو بكلّ صراحة رجال سوريا في لبنان، على الرغم من انني على يقين أن البعض تزعجه هذه التهمة ولا يرضى بأن نسميه هكذا، ليطلّ فيقول نحن حلفاء أو اصدقاء سوريا… ليس المهمّ التسمية، الأهم السلوكية السياسية، هل تتوافق مع المنهجية السورية؟ وفي حال الايجاب، لماذا برأيكم تتفقون مع سوريا ولماذا هذه الجارة الشقية تصفكم بالوطنيين، بينما تصف الفريق الآخر بالعمالة لاسرائيل؟
هذا الفريق يضمّ احزاب موالية لسوريا، وشخصيات تتواصل باستمرار مع السوريين، هذا الفريق لا يمكن الاتفاق معه على المسلمات الوطنية الكبرى ومنها على سبيل المثال لا الحصر نذكر:
هم يريدون لسلاح خارج الشرعية، كما يريدونه الى الأبد. وقد صرّح كثيرون أنّ السلاح باق باق باق ما بقي القرآن والانجيل، ليتقدّم الزعيم المسيحي في هذا الفريق ويعلن سيبقى سلاح حزب الله حتى انتهاء القضية الفلسطينية…
وبعيدًا عن التنظير السياسي ما الهدف من 14 شباط؟ وما النفع في المشاركة أو عدمها؟
لا أعتقد على الاطلاق ان جمهور "14 آذار"، وطوال سنوات خمس، خذل نفسه في كل الاستحقاقات. فهذا الجمهور يتقن فنّ الوطنية، كما يتقن الصمود والصبر. جمهور "14 آذار" يقود قياديي هذا الفريق وليس العكس ..
ولا أذيع سرّا اذا ما قلت لكم: هل تعلمون مَن كان صاحب القرار بالنزول الى الساحة هذه السنة؟
من دون مبالغة ولا اطراء ولا مجاملة، الناس، وحدهم الناس قرروا .. ونحن التزمنا..
الناس، الذين انتصروا وانتقلوا من معركة الى أخرى، بهدوء انتصروا، بعكس هؤلاء الذين يحترفون الضجيج والصراخ في براري جوفاء .. وحدهم الناس قرروا وأرغمونا على تنفيذ رغبتهم.. وبالسؤال: كيف عرفت ان الناس قررت النزول الى الساحة؟ الجواب بسيط : بمراجعة سلوكيات ويوميات جمهور "14 آذار" يمكن رصد نجاحاته في قطاعات وميادين وساحات ملأها انتصارات واقعية وليس وهمية بحيث أنه أنجز سلسلة نورد بعض منها:
1 ــ على مستوى نقابات المهن الحرّة أطباء مهندسين محامين اطباء اسنان صيادلة…وغيرهم: طوال خمس سنوات حصدت قوى "14 آذار" نتائج باهرة لدرجة في بعض منها حققت ما نسبته 100%، وهذا مؤشر واضح على الشعبية والشرعية التمثيلية، وهكذا انتصر الموقف على السلاح..
2 ــ على مستوى الانتخابات الطلابية في مختلف جامعات لبنان الخاصة منها والرسمية كانت "14 آذار" في الطليعة تتصدّر النتائج ملحقة الخسائر تلو الأخرى بتلك الملتحقة بقوى "8 آذار". وهكذا يتبيّن ان الشريحة الطليعية في مجتمعنا التي لا تختزن غايات ومصالح ومآرب سياسية، اختارت بملء ارادتها خطّها السياسي.
3 ــ للمرة الثانية تنجح قوى "14 آذار" في الانتخابات النيابية وتُمسك من جديد بالأكثرية داخل البرلمان اللبناني. وهنا يطالعنا كثيرون بالقول أن الأكثرية لا تحكم بينما الأقلية تتحكم .. جوابنا على هذا الطرح الموضوعي يتلخص بالتالي: الأكثرية صاحبة مشروع الدولة سعت وتسعى للعبور الى الدولة، تتمسك بدور المؤسسات وتعمل لتعميم ثقافة وتربية النظام والانتظام العام، في مقابل فريق يُمسك بالسلاح بحجة انه مقاومة، وبالتالي يستقوي بحجة السلاح ليضغط باتجاه دفع الأكثرية الامتثال بمسلكه، وقد خسر رهانه مرات عديدة وكان اوضحها وقوعه في مستنقع لعبة الاستقواء على شريكه يوم السابع من ايار، دفع ثمن مغالاته خسارته في الانتخابات.
4 ــ سقط لنا شهداء، وبمجهود جمهور "14 آذار" وبمثابرته وبمناقبيته وباستمرار قضيته، قضية حيّة لا تموت بفضل صموده عبر عدم خذله لروح الشهداء استطاع ان يوصل صوته الى اعلى المحافل الدولية، فتمكن، ولأول مرة في لبنان، من تحقيق العدالة الدولية عبر الضغط باتجاه انشاء محكمة خاصة بلبنان مهمتها الحصرية كشف المجرمين ، سوقهم ومن ثم محاكمتهم والعقاب…
وهنا اقول هذه المحكمة تحققت وتمكنّـا منها بفضل شعب "14 آذار" .
5 ــ كان احتلال العاصمة عبر مخيمات أرهقت الاقتصاد محاولة سلخ الوجه الحضاري لبيروت، وكان اعتكاف وزراء وصولا" حتى العصيان الاداري والوظيفي، ومن ثم تهديدات وانفجارات، صمدنا بفضل صمود شعب "14 آذار". اقفال المجلس النيابي وانعدام انتاجيته، محاصرة النواب ولجوئهم الى مواقع آمنة تجنبهم القتل، ومع ذلك لم يستسلم جمهورنا ليتابع مسيرته النضالية، مصرًا مصممّا" العبور الى الدولة.. ولم يصار الى تسلّم وتسليم في القصر الجمهوري، ظنّا" من هؤلاء ان ضرب المؤسسات وافراغها من مضمونها يسمح لهم ان يقبضوا على السلطة، اقتحموا بالسلاح بيروت والجبل، منهم من خاف ورضخ واستدار، ولكن كانت قلّة قليلة، اما الأكثرية تابعت واستمرت وانتصرت وانتخبت رئيس للجمهورية اللبنانية، ثمّ عادوا واستأخروا تشكيلة الحكومة عبر مزيد من الضغط والترهيب والترغيب.. انطلقت الحكومة ولم تستطع حتى الساعة، على الرغم من انعقاد سبع جلسات، من تعيين ناطور، وعلى الرغم من ذلك مستمرون.
6 ــ ساهمتم بالاستقرار، فكان لبنان خلال سنة قبلة العالم سياحيًا واقتصاديًا، فزار ارضنا حوالي مليوني انسان حضروا ورقصوا فرحًا على انغام الدولة التي نعبر اليها معًا لتكون دولة ماسكة غير ممسوكة.
7 ــ "14 آذار" هي انتم، الناس، الجمهور الذي لا يمتهن التصفيق، يصفق متى لزم، ويحاسب متى كان يوم الحساب، وهكذا استطاع جمهور "14 آذار" ان يكون صورة ومثال لرأي عام بعكس الآخرين الذين حوّلوا انفسهم وتحوّلوا الى ارقام تُقاد ولا تقود..تُساق ولا تسوق..تؤيد بالمطلق ..على عكس جمهور "14 آذار" الذي يجيد لغة النعم يوم النعم ولغة ال لا يوم اللا..
امّا الخيار بين ان تكون لبناني وان تكون لبناني مرهون..
الخيار بين ان تسأل القادة الذين تتبعهم ماذا فعلتم لنا طوال سنوات؟
ولعلّ المفاضلة والمقارنة يؤديان الى طريق المحاسبة، ولم يعد من شكّ أن فريقًا يكره "14 آذار"، يحبّ بشار الأسد واحمدي نجاد، يزعجه رفيق الحريري الذي علّم وعمّر..كما يزعجه صوت جبران تويني الذي حلف يمين ان يبقى المسلمين والمسيحيين موحدّين ..وبيار الجميّل صاحب صُنع في لبنان ..وانطوان غانم الوديع الذي عندما سأله احدهم الا تخاف من قتلك أجابه: لم الحق الأذى بأحد طوال حياتي لماذا يريدون قتلي…
وبالسؤال اين نحتفل بقداس عيد مار مارون؟
فريقنا لبناني الهوية والانتماء، والماروني يتظلّل بكنيسته المارونية حيث الكرسي البطريركي منذ يوحنا مارون اول بطريرك هنا في ارض القديسين في لبنان، فكيف يجرؤ احدكم ويسأل اين نحتفل؟
ولكن هناك مَن يريد نقل الكنيسة وتاريخها وحضورها المشرقي الى مكان آخر.. الى هناك، الى حيث اولادنا يقبعون في سجون او معتقلات ..سأحتفل هنا في لبنان، في بيروت عاصمة العالم، مع رأس كنيستي.
امامكم اقول، ساحتي يوم 14 شباط هي ساحة الشهداء والحرية، وشهدائي افخر بهم ولن اخذلهم، ولن اترك الذئاب تنهش رائحة عطرهم الذكية، لأردد مع جبران "مسلمين ومسيحيين ودروز الى ابد الآبدين في وطني العظيم".
(*) المـحـامـي ايـلـي مـحـفـوض
رئيس "حركة التغـيير" عضـو قوى "14 آذار"