كم كانت نافرة ظاهرة "براد" هذه السنة، لا لشيء الا لانه كان يطفح منها اريج المصالح الشخصية والنظرة التمردية لدى بعض ابناء الكنيسة المارونية على رأس السلطة الكنسية المتمثلة بالبطريركية المارونية وغبطة ابينا البطريرك مار نصرالله بطرس صفير – الكلي الطوبى – وقد صحت توقعاتنا وتحذيراتنا من ان الجنرال وحلفاء له في "8 اذار" يحاولون التمرد على رأس الكنيسة وبالتالي يؤسسون لنمط ايماني جديد مسيس ومصلحي لا يرقى الى القداسة وطهارة رسالة القديس الحبيب مار مارون بشيء.
كم كانت نافرة هذه السنة هذه الحمية والشهية المفتوحة لمسيحيي "8 اذار" على "براد" تحت ستار العودة الى جذور هي بنفسها انتقلت بكليتها منذ اواخر القرن السادس (على ما يجمع عليه المؤرخون) الى منابع نهر العاصي في البقاع اللبناني وجبال شمال لبنان – حيث هناك بدأت الهوية المارونية بالتجلي وتبلور معها الوجود الماروني الراعوي والجماعي والسياسي . فزيارة براد "لم تكن الا زيارة سياسية بامتياز ورسالة للحكم السوري بان ثمة مسيحيين موارنة تحديدا يقبلون بان تكون سوريا محجهم وقبلة ايمانهم… وكأن بنا مار مارون نفسه يظهر عليهم في براد ليتشفع لهم امام العلي "يا ابتي اغفر لهم لانهم لا يدرون ما يفعلون بكنيستي وبجماعتي المؤمنة "…
فزيارة "براد" لا يمكن الا ان تفسر على انها رسالة موجهة لغبطة ابينا البطريرك – بان ثمة من ابنائه من هو قادر على التنكر له ولكرسيه البطريركي – وقد نسوا بانه "حيث البطريرك تكون الكنيسة" كما حيث رأس الجماعة تكون الجماعة " – كما انهم نسوا بأن الثقل الماروني الحر للهوية الجماعية وللاهوت الارض والحرية والايمان هو في لبنان، كما ان البطريركية المارونية في لبنان – لكن وكالعادة ضل الابناء الضالين الطريق. وهم في الضلال متمرسون … وفي هذا الاطار نبدي الملاحظات الاتية:
اولا: من الناحية القانونية الكنسية ان البطريرك الماروني هو رأس السلطة الكنسية للطائفة المارونية – وله الصفة الشرعية العليا (كنسيا وايمانيا) لقيادة المؤمنين وتنظيم شؤونهم الروحية والرعوية والسياسية والاجتماعية. فمنذ انتخاب اول بطريرك ماروني – الا وهو – المثلث الرحمات – البطريرك مار يوحنا مارون – تأسست شرعية القيادة البطريركية الاحادية والولاية العليا على المؤمنين من خلال درع التثبيت الكنسي من قداسة الحبر الاعظم بابا روما – ما جعل البطريرك الماروني يصبح في مصاف خليفة القديس بطرس في رئاسته للكنيسة الانطاكية ولذا بات البطاركة يضيفون الى القابهم اسم "بطرس" – وبالتالي فان التنظيم الكنسي والقوانين الكنسية تعطي غبطة البطريرك الولاية السامية على المؤمنين – بما لا يمكن احد من تجاوزه لا شرعا ولا كنسيا ولا سياسيا ولا ايمانيا – عندما تتعلق الامور بهذه الاختصاصات والنواحي .
ثانيا: من الناحية السياسية من العار على مسيحيي "8 اذار" ان يستغلوا المناسبة الدينية من اجل تسجيل نقاط وايصال رسائل سياسية – فالكرسي البطريركي في لبنان هو لانطاكية وسائر المشرق – والجماعة المارونية في قسمها الاكبر هي في لبنان – وبالتالي لا يحتاج كرسي بكركي الى من يلقنه دروسا في الحرص على الجماعة ولا الى تلقينه دروسا في المشرقية والانفتاح الماروني على التراث المشرقي – لان كرسي بكركي يحافظ على كرامة الموارنة وحقوق الموارنة ومصالح الجماعة المارونية التي اضطهدها الحكم السوري على مدار سنوات عجاف من الصراعات السياسية والامنية والعسكرية ايام الوصاية في لبنان والنظام الامني اللبناني – السوري – وما قبلهما ايام الحرب الداخلية منذ 1975 مرورا باحداث حرب المئة يوم والمجازر المرتكبة بحق الموارنة في لبنان – يوم كان الزوار الموارنة لبراد حاليا في غياهب المجهول وغائبين عن ساحات التضحية والاستشهاد من أجل العقيدة الايمانية و الهوية والحرية والاستقلال- فليس مسموحا لاي كان ان يحاول القفز فوق هذه الحقائق وان يخفي معالم التاريخ الذي لا يرحم – لخدمة مصالح انية وفئوية وذاتية على حساب رسالة الجماعة – فاقله ليتركوا لبكركي ان تقوم بما عليها بعد ان اثبتوا هم انهم ليسوا اهلا للدفاع عن الوجود الماروني الحر والكريم بل فقط اقوياء لشق الصفوف وتشويه التاريخ الايماني والتطاول على المقامات وعلى رأٍس الكنيسة المارونية.
ثالثا: في مار جرجس – بيروت- كانت المناسبة وكان القداس الاحتفالي الوطني الجامع – كل لبنان كان هناك – باستثناء الابناء الضالين في "براد" – لان بوصلتهم امتهنت الرسوب في الامتحانات حتى الدينية والايمانية والعقائدية منها – ولان رهاناتهم لم تكن يوما الا على حساب حقائق التاريخ والعقيدة المارونية والام طائفتهم وهواجسها بل فقط لحساب ما يتناسب وسياسات الجيران والحلفاء والمحسوبين – وهم لم يسهموا يوما حتى في تبديد هذه الهواجس ولم يمدوا الى الان يد المساعدة في ازالة الالتباسات – بل ما زالوا يمعنون في اضافة التباس الى التباس – وفي النظرة المجتزأة – زورا وبهتانا – الى الامور بما يتناسب ومصالحهم وتسجيل نقاط سياسية لهم ولو كلف ذلك التصرف على نحو "هرطوقي" سبق لنا في اكثر من محطة ان نبهنا الى معالمه ومخاطره التي بدأت تظهر وتتعزز يوما بعد يوم …
بين كنيسة مار جرجس – بيروت وموقع "براد " المقدس كان الحوار في اليوبيل 1600 سنة للقديس مارون الحبيب – مارون الالهي – كما لقبه اسقف قورش "تيودوريطوس " في كتابه "تاريخ النساك والرهبان " – حوار الجحود والنكران والتنكر للطائفة وللعقيدة المارونية ولاسس الكنيسة المارونية ولرأسها الصامد والمعتصم بحبال الحق وقول الحقيقة مهما كانت محرجة ومزعجة للبعض ممن زار "براد " وممن يسكن في بلاد "براد" ويحكم ديارها – في مقابل حوار الاصالة والتجذر والوحدة الوطنية الحقيقية تحت جناح مار مارون وسقف عقيدة الايمان بالله وبالوطن الحر – السيد – المستقل – وحوار نساك الله وقديسوا لبنان وطهارة الارض وعمق التاريخ …
فمن لبنان ومن جبال لبنان انتشرت المارونية في اقطار المعمورة – فمن هنا البداية ولا نهاية لهذه البداية الا بنهاية الاكوان – نردد مع موارنة بلاد الارز مستشفعين ابانا مارون الحبيب :
" باسمك دعينا يا ابانا وعليك وطدنا رجانا
كن في الضيقات ملجانا واختم بالخير مسعانا "