كل سنة وفي مثل هذه الايام، تعود بنا الذاكرة الحية الى وقائع ومسيرة ثورة الارز ،وكلمة الشعب الموحد في ساحة الشهداء يردد اناشيد الحرية والسيادة والاستقلال، في ظل دوي صوت جبران وقسمه التاريخي الذي بات كالصلاة يرددها المواطن المتمسك بمبادىء ثورة الارز، وقيام الدولة القوية القادرة،ِ ،انشودة حياة ومستقبل نريده لنا جميعا مسلمين ومسيحيين ناصعا كبياض ثلج صنين الشامخة والارز البهي .
في هذه الذكرى السنوية ومستحضرا ذكرى شهداء قافلة ثورة الارز ومعاني استشهادهم ،نعتبر ان افضل اسلوب للوفاء لعهدهم ،بان نتنبه اليوم كرأي عام 14 اذار وثورة الارز،الى الكمائن التي تُزرع من هنا وهناك والتي استطاعت الى حد ما – ولنعترف بذلك – ان تشوّش على صفاء القضية وطهارة ونبالة المقاصد الوطنية لثورتنا .
نقول هذا الكلام لنسجل الملاحظات التالية :
اولا : ان أخشى ما نخشاه هو ان نعود من حيث ندري او لا ندري ،نود او لا نود، الى منطق الرأي العام المسيحي الخائف والرأي العام المسلم الاسير في رايه وحريته. وللتوضيح ان مسار الاشهر القليلة الماضية ولا سيما منذ تأليف الحكومة الحالية،المسماة حكومة وحدة وطنية ، وثمة منطقين يتحكمان برأي عام 14 اذار،منطق يخاف العودة الى 7 ايار جديد ويقبل بالسير في توجهه الانفتاحي الى حد المساومة،والدخول في هيكليات حكومية عاجزة وضعيفة ،على اساس تغليب الوحدة على الجرأة والقبول بالاخر ولو على مضض بدل المواجهة معه ،ما يؤدي يوما بعد يوم،رغم تأكيدات ومواقف تيار المستقبل وتكتل لبنان اولا، الى شعور رأي عام مسيحي في ثورة الارز، بان المسلمون عادوا الى منطق المسايرة والتنازل والتراجع والمهادنة،مدفوعين بعوامل خارجية منذ لقاء القمة السورية- السعودية الاخيرة،في وقت لم يتلقف الشارع المسيحي الاكثري بعد، استدارة الوزير جنبلاط كما شارعه الدرزي عامة ،في حين بقيت القوى المسيحية وحيدة في ساحة الشهداء وفي ثورة الارز، تتابع المسيرة في ظل اجواء تتأمر لعزلها وحصارها.
اللافت ان المواقف السياسية لدى قوى الاكثرية المسيحية،لاتزال على ما هي عليه ،فيما اصوات الشريك المسلم في هذه الاكثرية ،بدأت تخفت وتهادن وتقبل بترؤس حكومة لا تستطيع اخراج بيان وزاري من دون بند (6) الشهير حول الاقرار بالمقاومة،ولا اجراء تعيينات من دون صفقات مذهبية وطائفية ومصلحية، ولا دخول كل المناطق اللبنانية بامنها وسلطتها وسيادة القانون عليها ( الضعف والغياب في حادثة حارة حريك الاخيرة ) وصولا الى زيارة الحريري الاخيرة الى دمشق، وما انبثق عنها من وعود وتوقعات لم ينفذ منها شيء حتى الان. فلا ترسيم الحدود بدأ ،ولا ملف المفقودين والمحتجزين تحرك ، ولا ملف ضبط السلاح الفلسطيني خارج المخيمات عولج، بينما في المقابل تتصاعد اصوات الداخل المطالبة تارة بالغاء القرار 1559 ، وتارة المبشرة ببقاء السلاح غير الشرعي طالما اسرائيل باقية على حدود لبنان،وصولا الى تصاريح ومواقف السيد نعيم قاسم والسيد حسن ، واخرها في تكريم المقاومة حيث تراىْ لنا اننا نستمع الى "رئيس" دولة لبنان يحذر اسرائيل ويتوعدها باسم لبنان وشعب لبنان وجيش لبنان !!!…
ان نكون ام الصبي كما سبق وذكرنا اكثر من مرة ،لا يجب ان يعني ان نقبل بالمساومة على رعاية الصبي مع غيرنا.
ثانيا: لا نريد ان نعود بشكل او باخر الى معادلة جرأة المسيحي في قول ما يريده وما يشكو منه علنا ،وخوف او عدم قدرة المسلم على قول نفس الشيء بالعلنية والجرأة نفسها ، فقبل 2005 وفي ظل دولة الوصاية والنظام الامني ،كان اخوتنا المسلمون يحيلون الى المسيحيين مهمة المواجهة والرفض والتمرد والانتفاض على الواقع الامني السياسي الذي كان مسيطرا، نظرا للضغط والقمع والخوف الذي كان يستبد بالشارع اللبناني الاسلامي انذاك.وكان المسيحي يواجه بصدور ودماء وحياة شبابه في تياراته الحية الاستقلالية، ويدافع عن الوطن كله وبالنيابة عن كل لبناني شريف ،سلاح القمع والاضطهاد والطغيان، فيما تتوالى من تحت الستارة مواقف التأييد من القسم الاخر من لبنان، الى حين اغتيل الرئيس الحريري،حيث انتفض الشارع المسلم على الواقع المرير وتشابكت الايدي مسلمين ومسيحيين احرار، فكان ما كان من اجمل لحظات الكرامة والاستقلال الوطني التاريخية .
لا نريد ان نعود، او ان يعود شريكنا وحليفنا المسلم الى قوقعته السابقة. وهذه المرة لا خوفا من نظام امني او عهد وصاية عسكرية مخابراتية، بل مسايرة لتحولات تكتيكية اكثر منها استراتيجية في المنطقة، لن تأتي بالنهاية الا ضد مصلحة الحق اللبناني ومبادىء ثورة الارز وانتفاضة الاستقلال ،وهنا نلفت الى ما يلي :
أ- ليس صحيحا ان الحكم في سوريا طوى صفحة2005 وما تلاها من سنوات توتر بمجرد لقاء الرئيسين الحريري والاسد، والدليل على ذلك ، استمرار التدخل السوري المباشر وغير المباشر بلبنان تحت الف اسلوب واسلوب،ومن بينها التركيز الاعلامي السوري من خلال صحيفتي الوطن والبعث،ليس على شؤون لبنان الداخلية وحسب، بل توصلهما الى التكهن والتنبؤ بما ستكون عليه الاوضاع في لبنان ، وفي احيان اخرى تتولي تلك الصحف، الرد على الاكثرية النيابية في لبنان وشن الحملات على قوى 14 اذار ومسيحيي ثورة الارز، ما يدل بصورة قاطعة الى عدم وجود نية صادقة لدى النظام السوري في طي صفحة الماضي. لذلك على المتفائلين والمسرعين في ركاب طريق الشام، ان يتمهلوا قليلا ريثما تتضح الرؤية الاقليمية والدولية في ضؤ تطور الملفات الساخنة في المنطقة .
ب- ليس صحيحا ان الحكم في سوريا ،قرر التعاطي مع لبنان باحترام ومساواة وندية ، والدليل انه لا يزال مبقيا على التكليف غير المباشر لرموزه من بعض الساسة اللبنانيين، الذين ينطقون باسمه ويدافعون عن مصالحه ويقومون بايصال الرسائل الى الاخرين بالنيابة والاصالة عنه ، ويوصلون كلمات سر من هنا وعبارات تودده من هناك ،بين جاهلية الشوف ومصالحات الضاحية والشويفات، مرورا بمحاولات استمالة مسلمي 14 اذار وعلى رأسهم الرئيس الحريري، ويافطات الترحيب والتأييد مع صور الرئيس الاسد وصور اخرى له وللرئيس الحريري في عكار وبعض مناطق الشمال الاخرى على اساس تحرك للاهالي .
ت- ليس صحيحا ان سوريا قررت التعاطي مع لبنان بمنطق دولة الى دولة ،والدليل، انها والى الان لم تحرك سفيرها في بيروت الا للولائم والمأدب والاحتفالات الرسمية والتشريفات، فيما لايزال امين عام المجلس الاعلى نصري خوري، ناشطا في التنسيق بين البلدين وتعاطي الشؤون الثنائية بين الرؤوساء على قاعدة معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق ،بدليل ان كل من يزور دمشق من لبنان يعود منها ناقلا موقف الحكم السوري من اللبنانيين ومن انفتاحه او انغلاقه عليهم ،كمن ينقل البركات والتبريكات وفرمانات النعمة والرضى من الباب العالي الى رعايا الاقليم او الولاية او الامبراطورية .
نفهم ونتفهم دور الرئيس الحريري وما يتطلبه هذا الدور من تعال على الجراح والانانيات الشخصية، في سبيل مصلحة الوطن العليا، انطلاقا من شعار والده الشهيد الرئيس رفيق الحريري، من أن لا أحد اكبر من بلده ، الا اننا نخاف عليه كما نخاف على احزابنا وتياراتنا المسيحية الاستقلالية من تقاطع في المصالح الخارجية، يؤدي الى انقطاع المصالح الداخلية بين ابناء الصف الواحد والنضال الواحد، حتى ولو تجلى هذا الانقطاع بحده الادنى من اللاوفاق واللاوحدة في الرؤية المستقبلية الى لبنان ودوره ووظيفته.
ما نريده اولا ، تدعيم وحدة 14 اذار والمزيد من التنسيق في المواقف، من منطلق التنوع في وحدتها بين من هم في الحكم ومن هم خارجه، ليشكل الاخيرين مرتكزات شعبية ووطنية لمواقف الاولين داخل الة الحكم .
كما ندعو الى عدم سلوك مواقف تعيد عقارب الخوف والتوجس عند المسيحيين مما هو مدبر ضدهم وضد لبنان، في موزاة عودة منطق مسايرة المحيط وركب قطار التقاربات التي تفرض انماطا من الخطاب المهادن، ومن مواقف التعمية والمساومات والمسايرات، التي قد تؤدي الى عودة التقوقع وانقطاع الوصل بين الفريق الواحد، فتتحقق اماني وطموحات اعداء الوطن والاستقلال والحرية من الداخل قبل الخارج، بانفراط 14 اذار وسقوط ثورة الارز ومبادئها .
فهل نعطي الاعداء بايادينا … ما فشلوا في انتزاعه منا بالقوة ؟
انها هواجس مواطن استقلالي لا دافع لديه سوى الخوف على ثورة الارز كي نبقى ننعم بصلوات شهدائنا لنا من عليائهم …