#adsense

ما دام مار مارون لم يجمعهم في قداس واحد فمن يجمعهم ؟

حجم الخط

ما دام مار مارون لم يجمعهم في قداس واحد فمن يجمعهم ؟
انقسام الموارنة يفقدهم دورهم في أي نظام للبنان

السؤال الذي يثير قلق المسيحيين واستياءهم هو: متى تنتهي حروب الزعماء الموارنة السياسية بعدما انتهت حروبهم العسكرية وأدت الى تقديم تنازلات في لقاءات الطائف جعلت صلاحيات رئاسة الجمهورية تتقلص؟
وها هم يستفيقون اليوم على ما فعلوا وأخذوا يطالبون باستعادة بعض هذه الصلاحيات تحقيقاً لتوازن افضل بين السلطات.

وإذا كانت حروب الموارنة العسكرية أدت الى ما أدت اليه، فتهمّش دورهم زمن الوصاية السورية بسبب انقسامهم بين متعاون مع هذه الوصاية ومتصدٍ لها، فإلامَ ستؤدي حروبهم السياسية التي بلغت حد "تسييس" القداديس، و"تسييس" القديسين، وتقديس بعض الزعماء الى حد العبادة… ليس حباً بهم، بل أحياناً نكاية بغيرهم…

يقول سياسي مخضرم إن الموارنة عندما كان لهم الحكم في لبنان ووصف في حينه بـ"المارونية السياسية" كانوا منقسمين بين زعماء للموالاة في مواجهة زعماء للمعارضة، ولم يكن هذا الانقسام يشكل ضعفاً لهم بل قوة، إذ كان زعماء الطوائف الاسلامية من جهتهم يتوزعون بين جبهة موالية بزعامة مارونية او مسيحية، وجبهة معارضة بزعامة مارونية او مسيحية ايضاً، ولأنهم كانوا يملكون قوة العدد وقوة الدور والنفوذ والسلطة، لم يكن انقسامهم يؤثر على قوة هذا الدور وفاعليته، ولأن الزعماء المسلمين كانوا أيضاً منقسمين مثلهم بين موال ومعارض، والفوز لأي منهم في هذه المواجهة كان يمثل فوزاً لخط سياسي على خط آخر، وليس فوزاً لطائفة على أخرى، وهو ما جعل تطبيق النظام الديموقراطي العددي والأكثري يتم بصورة سليمة وصحيحة، كما كان يتم تداول السلطة بهدوء ووفقاً للاصول والدستور، وإلا لما كان الطرف اللبناني الذي خسر انتخابات رئاسة الجمهورية بفارق صوت واحد رجَّح فوز المرشح سليمان فرنجية على منافسه المرشح الياس سركيس، قد قبل بهذه النتيجة، ولو أن هذه النتيجة حصلت اليوم لنزل الطرف الخاسر الى الشارع…

وإذا لم يكن انقسام المسيحيين في الماضي يؤثر على قوة دورهم ونفوذهم، ليس لأنهم كانوا يتمتعون بقوة العدد ويقودهم زعماء تاريخيون، بل لأن هذا الانقسام كان داخل كل طائفة ومذهب لأسباب سياسية، داخلية أو خارجية. أما انقسامهم اليوم، بعد أن فقدوا قوة العدد وزعاماتهم التاريخية، فإن هذا الانقسام بات يؤثر على دورهم وربما على وجودهم مع الوقت، فلا هم باتوا كما في الماضي زعماء الموالاة وزعماء المعارضة، بل باتوا اليوم "تابعين" لزعماء موالين أو لزعماء معارضين، من هذه الطائفة او تلك، ولم تعد الطوائف الاخرى منقسمة على نفسها مثلهم، بل باتت موحدة الرأي والموقف في اطار تحالفات ترعاها جهات خارجية وتسهر على استمرار وحدتها وتضامنها. فاذا استمر المسيحيون على تفككهم وتشرذمهم وانقسامهم في مواجهة طوائف اخرى موحدة ومتضامنة في مواقعها، خصوصاً حيال الثوابت، فانهم سيفقدون حتماً دورهم ووجودهم مع الوقت، سواء طبّق النظام الديموقراطي التعددي او النظام الديموقراطي العددي.

ففي حال تطبيق الديموقراطية العددية، التي تحكم الاكثرية بموجبها والاقلية تعارض، او في حال تطبيق الديموقراطية التعددية، اي التوافقية، فإن استمرار انقسام المسيحيين، وتحديداً الموارنة، وقد بات تقسيماً لمقسوم أصلاً، وبعد فقدان قوة عددهم، يجعل زعماء الطوائف المتوحدة يختارون رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة والوزراء بالاعتماد على فريق مسيحي منقسم عن الفريق الآخر، فلا يعود عندئذ في الامكان القول ان الطائفة المارونية غير ممثلة، وهذا يتعارض وميثاق العيش المشترك، بل تكون ممثلة بالفريق التابع لزعماء الطوائف الاسلامية. وهو ما حصل في زمن الوصاية السورية عندما كانت تختار وزراء مسيحيين بعضهم يمثل هذه الوصاية أكثر مما يمثل مجتمعه وتطلعات طائفته، في حين أن الطوائف الموحدة في موقفها وسياستها استطاعت أن تقرر مقاطعة المشاركة في الانتخابات الرئاسية الاولى والثانية والثالثة واي حكومة إذا لم يؤخذ بمطالبها، وهو ما فعلته الطائفة الشيعية التي يحتكر تمثيلها حزبان رئيسيان هما "حزب الله" وحركة "أمل". فرغم أنها كانت تشكل أقلية نيابية مع المتحالفين معها إلا انها تمكنت من فرض المرشح الذي تريد لرئاسة مجلس النواب وأن تحول دون انتخاب رئيس للجمهورية من الأكثرية النيابية وأن تسمي وزراءها مع الحقائب تحت طائلة التهديد بالمقاطعة، فتصبح الحكومة عندئذ غير شرعية وغير ميثاقية، وهو ما حصل مع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة عندما استقال منها الوزراء الشيعة وتعذّر تعيين بدائل منهم لأن قرار القبول والرفض هو للتحالف الشيعي ("حزب الله" وحركة "أمل") من دون سواه.

لذلك على المسيحيين اذا كانوا يريدون أن يكون لهم دور في أي نظام للبنان أن يتوحدوا كغيرهم، وإلا فلن يكون لهم دور حتى لو أعطي لهم، لأنه يكون دور التبعية، في حين يستطيعون أن يأخذوا هذا الدور بقوة وحدتهم وتضامنهم، إذ إن المساواة والعدالة تتحققان مع طوائف متوحدة وليس مع طوائف متفرقة. من هنا، فإما أن تكون جميع الطوائف فيها التعددية والتنوع كما كانت في الماضي، وإما ان تكون احادية، حتى إذا ما طبقت الديموقراطية التوافقية فإن تطبيقها صعب إذا كان لكل مذهب أو طائفة حق "الڤيتو".

فهل يتوحد المسيحيون وتحديداً الموارنة أسوة بالطوائف الأخرى، أم يظلون متفرقين ومشرذمين ومتفككين، ولا يستطيع حتى عيد شفيعهم مار مارون أن يجمعهم في قداس واحد، ولا يكون لكل فريق منهم قدّاسه ومارونه… ثم لبنانه؟!

المصدر:
النهار

خبر عاجل