واحد وثلاثون عاما على الثورة الاسلامية في ايران, والنظام يأبى التسليم بالتغيرات الداخلية والرضوخ للمتغيرات السياسية الاقليمية والدولية. ففي الداخل، التغريب مستحيل والحفاظ على التقاليد (والقيم) الاسلامية أساس لدى المحافظين، وحين يتعدى الامر المثاليات والامور المجردة ، يصبح السلاح المستورد من الغرب أداة لتثبيت النظام في الداخل ولتصدير القيم الى الخارج.
انطلاق الثورة منذ 31عاما، كان مشروع أكبر من أن يخلّص الشعب الايراني من الاستبداد الملكي السلطاني الفاسد،كما اعتُبر أيام الشاه ، وكان الهدف إنشاء جمهورية إسلامية في ايران يتم تحصينها داخل حدود الجمهورية ، وتقويتها وسد الثغرات فيها،قبل تصديرها ونشرها بحسب رسم جغرافي محدد، ظهرت أطرافه في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وغزة.
عام 1941 تسلّم الشاه محمد رضا بهلوي السلطة بعد عزل والده رضا شاه من قبل تحالف القوات البريطانية والسوفياتية. رضا شاه كان رجل عسكري معروف بتصميمه على تحديث ايران، وعداؤه لطبقة العلماء المتدينين. فقلّده محمد رضا بهلوي حين تسلم الحكم قبل أن تطيح به الثورة عام 1979.
مثل والده الشاه البهلوي،رغب محمد في تحديث وتغريب البلاد،فاحتفظ بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة ومعظم الدول الغربية،وكثيرا ما أشاد الزعماء الأميركيون به وبسياسته وصموده المعارض للشيوعية.
انتقده المعارضون له ولحكومته، وكانوا من الجماعات اليسارية والقوميين والجماعات الدينية التي اتهمته بانتهاك الدستور الإيراني وبالفساد السياسي، ووصفت المعارضة أفعاله "بالوحشية والقمعية" التي ترجمها الـ "سافاك" ميدانيا.
هذه الاخطاء قطف ثمارها آية الله الخميني، فكسب تأييد الفقراء والمغبونين وكل متضرر من النظام القائم في تلك الفترة من جهة ، وتجنب الخوض في قضايا خلافية حارة من جهة اخرى مثل ولاية الفقيه،التي كان يعتزم تنفيذها ورجع عنها، لمعرفته أنه سيخسر الفئات الداعمة، ما شكّل لحكمه نقطة قوة وحدت الصفوف من حوله ودعمته في إحقاق الانقلاب.
انذاك كانت ولاية الفقيه إحدى المواضيع التي أبى الخميني التطرق لها، لعلمه بالتأثير السلبي الذي قد تخلّفه هكذا فكرة في إنجاح الثورة، ولثقته بأن اليساريين والقوميين لم يكونوا ليقبلوا بهكذا طرح أساسا. فأستغنى عنها موقتا، ريثما يقوّي الجمهورية ويسد الثغرات ويحصّن الداخل، فينطلق للخارج ويصدّر الثورة ، ويجعل من الخارطة الجغرافية أمبراطورية إسلامية تشبه طهران، حيث الديمقراطية كذبة والحريات مقموعة وإبداء الرأي مسموح طالما يصب في خانة الغزل المخصصة لنظام خامنئي اليوم وطفله بالتبني الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد.
فتعبير جمهورية إسلامية تعبير واضح يجسّد استعمال الدين لمآرب سياسية، وولاية الفقيه خير دليل على الهرمية المفروضة، فـ "يا نجاد أنت السياسي وأنا خامنئي رأس الهرم، رجل الدين، الذي يحركك بحسب الشريعة والمشروع الديني."
في هذا الطرح تعقيد ورجعية فحين قيامه، لم يكن الانترنت بعد دخل الى كل بيت ولم تكن الاقمار الصناعية تسبح في الفضاء…الا أن هذا التطور المعلوماتي، الذي نقل حاضر الدول المتقدمة، الى الدول التي ما زالت حتى الساعة تؤمن بأن الاسلام دين ودولة ، لم يغير شيء من واقعها السياسي.
فدخول التطور الى ايران، أيقظ ايرانيي الجيل الجديد وسلّط الاضواء لهم، على المآسي التي لطالما عاشوها منذ الثورة ولم يروها… الثورة التي استغل أبطالها قمع النظام حينها ،ووعدوا بتخليص الايرانيين من الاسر، فعادوا من بعدها ليكونوا هم الجلاد والمسممين الذين دسّوا سنة وراء اخرى، السم في عروق الشعب الفارسي، لتحل الذكرى الواحدة والثلاثين لقيام الثورة ويتنبه من ظنوا أنفسهم أذكياء، الى أن مرور تلك الاعوام التي غدرت بهم وجعلتهم يعتقدون بأن ظهرهم محمي، وبأن الوقت حان لاحقاق الانتصار الكبير، تفاجأوا بجيل جديد يتنكّر للظلم، ولا يعترف بمشروعهم ،الذي من العار على البشرية المؤمنة بالله الواحد، أن تسمح بنسبه الى الله الحق.
إنه الشارع الايراني الذي يدفعهم اليوم،على التفاوض والتعويل على الحلول الدبلوماسية، وعلى الكشف عن قدرات عسكرية وتنكولوجية متطورة، لا يمكن سوى الاعتراف بها.
الا أن كل ذلك ليس سوى من باب رفع السقف، لعلمهم بأن خروجهم مترا واحدا خارج حدود جمهوريتهم، سيقضي عليهم مع وجود داخل ايراني رافض لما يجري، ويأبي التصديق على مشروعهم، وبات يؤمن بأن العالم يسير الى الامام، ورجال الدين لديهم يعيشون في إطار عقائدي نسيه الزمن .
فلاولئك الرافضين للظلم، والذين ينزلون الى الشارع سلميا من طلاب ومثقفين، استنكارا للقمع الذي يفرضه نظام الثورة الاسلامية، لكل هؤلاء تحية وتقدير، فدماؤهم لن تذهب سدى، فالله معهم إذ أنه يأبى أن يكون له حزبا أو جيشا أو صاروخا … وإن كان من عَلَمٍ لله الخالق، فلن يكون أصفرا بل أبيض يمثل الامل بغد.