تراجعات من الداخل وأسلوب "التجربة والخطأ" من الخارج
العــودة الســورية "قديمــة" أم ضمــن ضــوابــط ؟
لم يقع اعلان العاصمة الاميركية تسميتها السفير روبرت فورد سفيرا جديدا لها في سوريا من حيث التوقيت في الوقت اللبناني الملائم عشية حلول الذكرى الخامسة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط، ما لم يكن ذلك يعني بالنسبة الى المراقبين الديبلوماسيين في بيروت ان العلاقات بين الولايات المتحدة وسوريا لم تعد سائرة وفق الروزنامة اللبنانية، اي ان تحسين العلاقات الذي كان مرتبطا بحسن سلوك سوريا مع لبنان واحترام سيادته واستقلاله لم يعد كذلك، الا اذا كان في الامر سهو اميركي كان يتنبه له المسؤولون او الديبلوماسيون الاميركيون في الاعوام القليلة الماضية. اذ ان توقيت اي موقف او زيارة لمسؤول اميركي لسوريا كان يتم درسه وفق مواعيد الاستحقاقات اللبنانية لئلا تترك هذه الزيارة او الموقف تأويلات وتفسيرات في غير محلها، مع حرص سوريا على توظيف اي اشارة اميركية في اتجاهها في وجه خصومها. وهناك من يعتبر ان الاميركيين لا يمكن ان يقفوا عند هذه الحسابات التي لا تزال مهمة من حيث المبدأ، لولا ان العلاقات الثنائية بين لبنان وسوريا بدأت تسلك مسارا آخر منذ زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري لدمشق، الا ان منحى الامور في خلاصته او في صورته الكبيرة لا يصب في مصلحة قوى 14 آذار التي تحاول ان تواجه التغييرات الحاصلة والتي يمكن ان تحصل في المدى القريب عبر التمسك بالثوابت الاساسية التي اطلقت حركة الاستقلال الثانية في لبنان.
ومع ان نجاح الذكرى السنوية لاغتيال الرئيس الحريري الاحد المقبل مهم ويكتسب ابعادا لا تزال ضرورية على صعد عدة بالنسبة الى قوى 14 آذار وبالنسبة الى لبنان من حيث اثبات بقاء الرأي العام اللبناني في غالبيته على الروحية نفسها التي اطلقت ما بات يعرف بـ"ثورة الارز"، فان الصورة الكبرى مجددا بالنسبة الى لبنان في مغزى ما قادت اليه 14 شباط بالذات ليست ايجابية في معظمها. وهذا الامر يتناول احداث هذا الاسبوع خصوصا بدءا من توجه مسيحيي قوى 8 آذار الى حلب للاحتفال بعيد شفيع الطائفة المارونية، وصولا الى التوضيحات التي اطلقها النائب وليد جنبلاط، وهي توضيحات كانت متوقعة ومرتقبة منذ مدة، الا ان مصادفتها ايضا مطلع هذا الاسبوع لا يمكن اعتبارها تصب في خانة الايجابيات. فما يحصل، اقله بالنسبة الى مراقبين ديبلوماسيين لا يخفون استغرابهم، بل حتى احباطهم من سير الامور مع الاقرار بان تحولات كبيرة حصلت في المنطقة في السنة المنصرمة على نحو خاص، ان الطوائف اللبنانية، ان عبر التوجه السياسي لزعيم "التيار الوطني الحر" الى دمشق وحسم قراره نهائيا معها، بغض النظر عن مدى شعبية توجهه او عدمه واثر ذلك عليه في الداخل، او عبر اعادة ما انقطع بين جنبلاط والقيادة السورية والتي حفزها على نحو خاص اجتياح "حزب الله" لبيروت والجبل في 7 ايار 2008، ان هذه الطوائف توحي انها في حاجة الى حماية سوريا، على الاقل وفق ما سمع بعض الديبلوماسيين من زعماء الطوائف المعنيين لدى سؤالهم عن اسباب العودة الى علاقات مع دمشق من ابواب يمكن ان تسمح لها بفرض نفوذها مجددا، فيما وقف لبنان بقوة ودفع اثمانا باهظة لوقف هذا النفوذ.
وهذا الامر محبط من نواح عدة لعل ابرزها على نحو خاص:
– ان اللبنانيين غير قادرين لاسباب متعددة لا مجال لتعدادها الان على انتاج دولة تحميهم جميعا، بل ان ثمة مخاوف من طوائف على مواقع طوائف اخرى، رغم علاقات ناجحة حصلت على مستوى الطوائف بعد اغتيال الرئيس الحريري وما حصل في 14 آذار تحديدا قبل ان ينضم زعيم "التيار الوطني الحر" الى الفريق المناهض. وهذا الامر مسيء في ذاته الى الطوائف الاخرى التي يفترض ان تعمل على طمأنة الجميع من ضمن صيغة الحكم، وهو امر يؤدي الى انعكاسات سلبية كبيرة على لبنان بغض النظر عن كيفية الوصول الى ذلك لان في الامر تشعبات كثيرة.
– ان ذلك كله يشي بواقع ان المجتمع الدولي بكل الاهتمام الذي اولاه للبنان خلال بضع سنوات ولا يزال الى حد ما بنسبة اقل، لم يستطع تقديم الحماية للبنان نتيجة مصالح، بعضها يتصل على نحو خاص برغبة في محاولة الفصل بين سوريا وايران وفق ما اتخذت فرنسا برئاسة الرئيس نيكولا ساركوزي القرار بمقاربة سوريا على نحو جديد، على امل ان تساهم في ابعاد سوريا عن ايران او حتى في لعب اسرائيل اللعبة نفسها، تحرّكها الاهداف الفرنسية نفسها، اي الفصل بين سوريا وايران. فكان تحريك للمفاوضات السورية – الاسرائيلية غير المباشرة عبر تركيا التي فتحت ابوابا كانت مغلقة امام سوريا. وكان ان دفع لبنان الثمن بطريقة او اخرى خصوصا انه تبين حتى الان عقم الرهان على امر مماثل وفق تقديرات المراقبين الديبلوماسيين المعنيين الذين يرون ان اسلوب"التجربة والخطأ" في هذا الاطار اعاد لبنان الى نقطة يفترض انه كان خرج منها. وهو خرج من حيث المبدأ بمعنى ان اي عودة لسوريا الى لبنان عسكريا غير واردة، لكن لبنان في مرحلة انتقالية تنذر بعودة الكثير من عناوين المرحلة السابقة. ويقع على المسؤولين اللبنانيين اثبات وجود تمايز في هذه العناوين بين الامس واليوم، رغم اعتقاد كثر ان سوريا حاضرة عبر حلفائها والثلث المعطل في الحكومة. لكن المسؤولية مسؤوليتهم ولو ان العوامل الاقليمية او الدولية لم تعد تساعد كما في السابق.