"أوباما اللبناني" والأسد: ثمن العلاقة الجديدة
مبادرة الحريري تنتظر خطوات سورية "تطبيعية"
"أبلغ مسؤول عربي كبير معني بالملف اللبناني جهات رسمية أميركية وأوروبية ان سعد الحريري هو الأكثر قدرة بين الزعماء السياسيين اللبنانيين على العمل من أجل تصحيح العلاقات اللبنانية – السورية وتثبيت قواعد جديدة للتعاون بين البلدين على أساس المساواة الحقيقية والاحترام الجدي المتبادل لاستقلال كل منهما وسيادته بما يشمل الامتناع عن عن التدخل السلبي الخطر في الشؤون اللبنانية. وأوضح ان جهود رئيس الحكومة اللبنانية هذه تتكامل مع تلك التي يبذلها الرئيس ميشال سليمان لدفع نظام الرئيس بشار الأسد الى ان يعتاد التعامل والتعاون مع لبنان المستقل. وشدّد المسؤول العربي على ان الحريري ينفتح من موقع قوة على سوريا إذ انه ليس تابعاً لها كما انه لم يصل الى الحكم نتيجة روابطه الوثيقة مع نظام الأسد بل أنه زعيم الحركة الاستقلالية المدعوم من الغالبية الواسعة من اللبنانيين ومن الدول العربية والأجنبية البارزة ويتعامل مع النظام السوري في ظلّ رعاية عربية – دولية للتقارب بين بيروت ودمشق، كما ان رئيس الجمهورية حليف حقيقي له في معركة تثبيت العلاقة الجديدة مع السوريين. لذلك يشكّل انفتاح الحريري على سوريا أفضل فرصة لنظام الأسد ليثبت للبنانيين وللعالم انه يريد اقامة علاقات مستقبلية مع لبنان بعيداً من منطق الهيمنة والاملاءات والضغوط".
هذا ما كشفته لنا مصادر ديبلوماسية أوروبية وثيقة الاطلاع في باريس وقالت إن المسؤول العربي شرح الابعاد والأهداف الحقيقية لعملية التقارب مع سوريا التي يقودها رئيس الحكومة اللبنانية، وركز على أن سعد الحريري "يحقّق اليوم حلم والده الراحل، ذلك ان الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان يريد، قبل اغتياله في 14 شباط 2005، ان يقود تحالفاً نيابياً – سياسياً – شعبياً يمثل مختلف الطوائف ويحصل على الغالبية في الانتخابات ثم يعمل بالتعاون مع دول عربية واجنبية بارزة على تكريس وتعزيز استقلال لبنان وسيادته تمهيداً لاقامة علاقات جديدة مع سوريا بعيداً من الهيمنة وعلى أساس المساواة والندية والاحترام المتبادل، وان يشكل حكومة وحدة وطنية تعطي الاولوية لمعالجة المشاكل المعيشية والحيوية للبنانيين ولتحقيق الأمن والاستقرار وتعزيز السلم الأهلي وتحسين الأوضاع في البلد وتطويرها، لا لجره من حرب الى أخرى ومن دمار الى آخر". ورأى المسؤول العربي "ان الذين اغتالوا رفيق الحريري لم يحققوا أهدافهم ولم يقضوا على النزعة الاستقلالية في نفوس اللبنانيين بل انهم عززوها، كما ان الرئيس الشهيد هو الذي نجح – اذا جاز القول – في شخص نجله سعد ونتيجة تضامن الغالبية الكبرى من اللبنانيين مع القوى الاستقلالية في تأمين تحرير لبنان من الوصاية السورية". وأضاف: "ان الرئيس الشهيد كان يتمنى ان يتحقق الانسحاب السوري وان تنشأ علاقة جديدة سليمة بين لبنان وسوريا، بعيداً "من هيمنة الأجهزة الأمنية والمخابراتية ومن منطق التسلط، بالتفاهم مع نظام الأسد وليس ضد ارادته، اذ ان رفيق الحريري لم يكن معادياً لسوريا، بل ان عدداً من المسؤولين السوريين وبعض حلفائهم اللبنانيين اتخذوا موقفاً بالغ العداء منه لأنه اعتبر، قبل اغتياله، ان الوقت حان لانهاء الوصاية السورية التي طالت على لبنان على أساس ان ذلك يؤمن المصالح الحيويّة المشروعة للبلدين وللشعبين على نحو أفضل. والمحكمة الدولية هي التي ستكشف لدى اصدار قراراتها اذا كان الحريري ذهب ضحية موقفه الاستقلالي هذا أم لا".
زيارة الأسد للبنان
وأفادت مصادر ديبلوماسية أوروبية معنية بالملف اللبناني أن المعلومات التي حصلت عليها من بيروت ودمشق والرياض عن زيارة الحريري للعاصمة السورية في كانون الأول الماضي وعن محادثاته واتصالاته المختلفة مع الأسد، تؤكد الأمور والحقائق الأساسية الآتية:
❑ أولاً – الحريري واقعي جداً في تعامله مع نظام الأسد ويدرك تماماً المصاعب والعقبات التي تعترض طريقه ويعرف ان عملية فتح صفحة جديدة في مسار العلاقات اللبنانية – السورية وفقاً لما يريده اللبنانيون في غالبيتهم العظمى عملية صعبة وطويلة لكنها ضرورية ويحتاج اليها البلدان، لذلك فهو مصمّم على المضي فيها الى النهاية والى ان يحصل التقارب الحقيقي مع سوريا ويحقق نتائجه المثمرة.
❑ ثانياً – يعلق الحريري أهمية خاصة على الاتصالات المباشرة القائمة بينه وبين الأسد ويريد الرهان على وجود رغبة حقيقية لدى الرئيس السوري في إيجاد الحلول الملائمة للمشاكل العالقة بين البلدين. كما ان الحريري يرغب في ان يقوم الأسد بزيارة رسمية للبنان من أجل تكريس الاعتراف السوري العلني والصريح بالدولة اللبنانية المستقلة. ويشجع عدد من زعماء المنطقة الأسد على زيارة لبنان في أقرب وقت ممكن والقاء خطاب أمام مجلس النواب يؤكد فيه التزامه العمل على تأمين نجاح عملية ارساء العلاقات اللبنانية – السورية على أسس جديدة.
❑ ثالثاً – علاقة الحريري مع الأسد مختلفة الى حدّ كبير عن علاقة والده الراحل مع الرئيس السوري، فسعد الحريري يتعامل مع الأسد وهو متحرّر من عبء الهيمنة السورية على لبنان وثقلها ومن وطأة الضغوط التي كان يمارسها النظام الأمني اللبناني – السوري المشترك على سائر الزعماء والسياسيين اللبنانيين، ولذلك فان النقاش صريح ومباشر الى أقصى حد بين الزعيمين الشابين ويتناول مختلف القضايا والمسائل ومنها القضايا الحساسة والدقيقة، في اطار وجود حرص مشترك على معالجتها بعيداً من المزايدات من أجل تأمين مصالح البلدين معاً وليس مصالح سوريا وحدها.
❑ رابعاً – يبدي الحريري ارتياحاً الى كون لبنان ليس وحيداً في تعامله مع سوريا بل أن ثمة رعاية سعودية – عربية – أميركية – فرنسية – دولية لعملية التقارب بين بيروت ودمشق، وهي رعاية ضرورية وحيوية لتأمين نجاح جهوده. والحريري ليس راغباً في دخول مواجهة جديدة مع دمشق بل انه يفضل الرهان على ان الحوار القائم بين القيادتين اللبنانية والسورية كفيل بتذليل العقبات التي ستواجه عملية اعادة العلاقات الطبيعية بين لبنان وسوريا وتحسينها.
❑ خامساً – يريد الحريري ان يفتح صفحة جديدة في تاريخ لبنان داخلياً وخارجياً وان ينجح في مهمته رئيساً للحكومة وهو يدرك ان تحقيق ذلك يتطلب اقامة علاقة طبيعية وسليمة مع سوريا قائمة على التعاون والاحترام المتبادلين، ويتطلب مواصلة الدعم الدولي والعربي للبنان المستقل، وبذل أقصى الجهود لتقوية الدولة ومؤسساتها الشرعية وتعزيز قدرات الجيش وتحسين الظروف المعيشية للبنانيين، ويتطلب كذلك تعزيز الأمن والاستقرار وحماية البلد من حرب مدمرة جديدة. لذلك يركز الحريري في محادثاته مع المسؤولين العرب والأجانب وكذلك مع القيادات اللبنانية على أمرين أساسيين متكاملين هما: ضرورة الامتناع عن اعطاء أي ذرائع لاسرائيل للاعتداء مجدداً على لبنان، وضرورة عمل الدول البارزة على لجم حكومة بنيامين نتنياهو ومنعها من شنّ حرب استباقية على لبنان بذريعة ان الدولة اللبنانية تتحمل مسؤولية امتلاك "حزب الله" أسلحة متطورة تشكل وفقاً للاسرائيليين تهديداً محتملاً للدولة العبرية.
❑ سادساً – يدرك الحريري ان عملية التقارب بين لبنان وسوريا ستنجح اذا ما اتخذ نظام الاسد الخطوات والاجراءات المحددة الضرورية لتكريس "التطبيع" بين دولتين مستقلتين وأبرزها: ترسيم الحدود بين البلدين وضبطها، حلّ مشكلة المعتقلين او المفقودين اللبنانيين في سوريا، معالجة مشكلة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، تصحيح العلاقات الثنائية في مجالات عدة والغاء الروابط التي تمنع لبنان من ممارسة حقه المشروع في الاستقلال والسيادة. أما اذا بقيت عملية التقارب بين لبنان وسوريا في اطار الوعود المتبادلة، فان ذلك سيسبب خيبة أمل كبيرة في صفوف الغالبية الكبرى من اللبنانيين وستكون له انعكاسات سلبية على علاقات سوريا مع عدد من الدول البارزة.
"أوباما اللبناني"
ويصف ديبلوماسي أوروبي بارز معني بالملف اللبناني سعد الحريري بانه "أوباما اللبناني" لأنه اعتمد سياسة "اليد الممدودة" في التعامل مع سوريا، كما اعتمد الرئيس الاميركي هذه السياسة في تعامله مع ايران. ويشرح وجهة نظره هذه فيركز على الأمور الآتية:
❑ أولاً – أوباما ليس راغباً في تقديم تنازلات الى ايران أو التضحية بمصالح أميركا وحلفائها في المنطقة او تقبل سياسات القيادة الايرانية من خلال انفتاحه عليها، بل يريد عبد الانفتاح دفع النظام الايراني الى تغيير سياساته وتوجهاته الاقليمية الخطرة والى التخلي عن خططه لانتاج السلاح النووي وعن تدخلاته السلبية في شؤون دول عربية عدّة، وذلك في مقابل تحسين العلاقات بين الجمهورية الاسلامية وأميركا والدول الغربية والعربية عموماً. والحريري ليس راغباً، من تبنيه سياسة "اليد الممدودة" الى سوريا، في تقديم تنازلات لنظام الأسد أو التضحية بمصالح لبنان الحيوية أو اعادة الوصاية السورية على هذا البلد أو تقبل التدخلات السورية السلبية في الشؤون اللبنانية، بل يريد أساساً جذب النظام السوري الى لبنان المستقل السيد واقناعه بجدوى واهمية اقامة علاقات طبيعية وصحية وسليمة معه.
❑ ثانياً – سياسة أوباما الانفتاحية على إيران ليست دليل ضعف وليست ناتجة من رغبة في الاستسلام للايرانيين ولمطالبهم، بل ان تعكس اقتناع الرئيس الاميركي بضرورة اعطاء الاولوية لحل المشاكل الصعبة العالقة بين الجمهورية الاسلامية واميركا ودول عدة من طريق الحوار والوسائل الديبلوماسية بدل اعطاء الأولوية للخيار العسكري. وفي حال رفض القيادة الايرانية الاستجابة لهذا الانفتاح الاميركي عليها فإنها تتحمل حينذاك العواقب الخطرة الناتجة من هذا الرفض. كذلك فان انفتاح الحريري على سوريا ليس دليل ضعف بل دليل قوة لأن رئيس الحكومة يستند الى دعم داخلي وعربي ودولي واسع له ولأنه يريد معالجة المشاكل الصعبة العالقة مع سوريا من طريق الحوار من أجل تأمين مصالح لبنان الحيوية وتعزيز امنه واستقراره وليس من أجل الرضوخ للمطالب والشروط السورية والعمل على تنفيذها.
❑ ثالثاً – سياسة أوباما الانفتاحية على ايران ساهمت الى حد كبير في بروز الحركة الاصلاحية المعارضة الراغبة في احداث تغييرات جوهرية وجذرية في السياسات الداخلية والاقليمية والدولية للنظام الايراني واعطت آمالاً للمعارضين في وجود استعداد أميركي – دولي جدي لتطوير العلاقات مع الجمهورية الاسلامية وتحسينها اذا ما تخلت عن توجهاتها الخطرة. وفي المقابل، إن سياسة الحريري الانفتاحية على دمشق ليس هدفها بالطبع تشجيع نشوء حركة معارضة للنظام السوري، بل أن هدفها هو تشجيع الأسد على ان يعارض بنفسه الجوانب الخاطئة والسلبية في السياسات والممارسات السورية السابقة تجاه لبنان والتي الحقت اضراراً بالبلدين وان يعمل، بالتعاون مع المسؤولين اللبنانيين، على تصحيح هذه الاخطاء واقامة علاقات صحيحة وسليمة بين البلدين. وكما ان نجاح سياسة أوباما الانفتاحية متوقف على تجاوب ايران معها، فان نجاح سياسة الحريري الانفتاحية متوقف على تجاوب الأسد معه.
وفي هذا المجال، قال لنا ديبلوماسي اوروبي مطلع إن ثمة "عقدة خفية" في العلاقات اللبنانية – السورية هي ان الأسد يريد التعامل مع الحريري على أساس انه رئيس حكومة الوحدة الوطنية وليس على أساس انه زعيم الحركة الاستقلالية المدعومة من الغالبية الواسعة من اللبنانيين. ولذلك كان الأسد يرغب في أن يلغى الاحتفال الشعبي الكبير يوم 14 شباط في ذكرى اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه واستبداله باحتفال سياسي رمزي. لكن الحريري يتمسك بكونه زعيم الغالبية والحركة الاستقلالية ادراكاً منه ان الاستقلاليين ضمانة اساسية لحماية لبنان وان فوزه مع حلفائه بالغالبية في الانتخابات هو الذي أتاح له تشكيل الحكومة".
وأضاف: "إن الدول المعنية بمصير لبنان المستقل تتوقع من الرئيس الأسد ان يتحدث بايجابية وانفتاح عن مستقبل العلاقات اللبنانية – السورية بعد زيارة الحريري الشجاعة لدمشق، وليس ان يدلي بتصريحات تثير القلق والمخاوف تتضمن مثلاً تحذيراً من أن الحرب الأهلية بين اللبنانيين يمكن ان تندلع خلال أيام أو تتضمن المطالبة بتغيير النظام اللبناني برمته، إذ ان تصريحات كهذه تشكل عودة الى مرحلة التدخل السلبي في الشؤون اللبنانية وتطرح تساؤلات عدّة عن مدى جديّة النيات والاستعدادات السورية لتقبل لبنان المستقل واقامة علاقات طبيعيّة وقويّة معه".