مبكراً اكتشف الشهيد سمير قصير هذه النزعة اللبنانية "اللجوجة" التي تريد أن تنجز كلّ ما تريد إنجازه على طريقة "آبرا كادبرا"، وما لم يحدث هذا السّحر الخارق نزعت إلى التأفف والاستغراق في فتور الإحباط… حتى الأمس، كل الدعوات التي تطلق لأكبر حشد في 14 شباط 2010 في السنة الخامسة على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لم تحرّك في أي رغبة في قصد ساحة الحرية، فالمنطقة الرمادية التي تمرّ بها المنطقة تنعكس علينا ترقباً وانتظاراً تارة يغدو خيبة، وطوراً تدبّ فيه الروح للمحافظة على منجزات "ثورة الأرز"، لم يهزّني بعنف ويبعث في عزيمة ذاك اليوم العظيم من تاريخ لبنان، إلا مقالة لأول مَن دفع دمه وربيع شبابه ثمناً لهذا التاريخ 14 آذار، الشهيد سمير قصير، مقالة كتبها في 15/4/2005 في صحيفة (النهار) تحت عنوان "الإحباط ليس قدراً"…
مشيت مع كلماته حرفاً حرفاً، كأن الأمس هو اليوم وبالعكس، وما كان أسبق سمير قصير إلى فهم طبيعتنا اللبنانية العجولة، التي يفاجئني انكفاؤها بقدر ما يدهشني إقدامها، ربما هي جزء من طبيعة المدّ والجزر البحرية التي تحكم شواطئنا فنستعير منها طبائعها، ومن حيث بدأ شهيد 14 آذار سمير قصير أبدأ، واقرأ شيئاً من رؤيته العميقة رغم السنوات الخمس القاسية التي مررنا بها، أدركت أن ما مررنا به كان أصعب بكثير، والمدهش أن المليون ومائتي ألف الذين احتشدوا في ساحة الحرية عام 2005 أصابهم الإحباط في أقل من شهر فاضطر سمير قصير أن ينفخ فيهم من جديد روح ذاك اليوم في مقالته، وبدأ بنقد نفسه قائلاً: "أول النقد يكون بالنقد الذاتي: لقد كنت من ضعيفي الإيمان الذين تأففوا في سرهم من نوعية النشاطات التي دعت إليها السيدة بهية الحريري في ذكرى 13 نيسان، لكن ما حصل بين ليلة السبت الماضي وليلة الأربعاء في وسط بيروت، أكد مرة جديدة انه يجب محاذرة أي نزعة نخبوية في مثل هذه اللحظات التاريخية، والوثوق بالحسّ الشعبي".
ذهب بعيداً سمير قصير في النفاذ إلى عمق كلّ لبناني احتشد في ساحة الحرية وأدرك الباحث ـ المنتظر إزهار الربيع في الوطن العربي، وقاده تأمله إلى اكتشاف أنّه "إذا كانت الحكمة تملي الركون إلى الحسّ الشعبي لإعلان إرادة اللبنانيين في الحياة، رغم انف المخربين، فكم بالحري لإعلان إصرارهم على حصد ما زرعوه من آمال".
رفعت كلمات سمير قصير عن كاهلي عبء ما يعتريني من خيبة الجمود الذي يحكم كلّ شيء في لبنان، بدا لي للحظة وكأن كلمات سمير قصير تصفعني أو تصعقني فأستيقظ ممّا يعتري الكثير من اللبنانيين الذين صدّقوا دائماً أن 14 آذار هو إنجازهم الكبير وأن 14 شباط هو التاريخ الذي صنع 14 آذار، وأن 14 شباط هو الذي كسر جدار الخوف في وقت كان الخوف ما زال جاثماً على صدورنا، بعد شهر من ذاك التاريخ كتب سمير قصير: "لا مجال للخطأ، فكل من له أذنان يستطيع أن يسمع شكوى الناس، حتى أنه لو كتب للمليون ومائتي ألف الذين اجتمعوا في 14 آذار أن يجتمعوا مجدداً، فإنهم سوف يهدرون بما اعتبروه تحصيل حاصل في ذاك اليوم، أي إنهم من صَنَعَ الاستقلال الجديد، وأنهم لا يقبلون بأن يقوّض احد طموحهم، بل إنهم لا يستسيغون أن يتم التخلي عن ضغطهم لاستكمال ما لم ينجز بعد"…
مساء أمس، أعادت إليّ مقالة سمير قصير شيئاً من نبض ساحة الحرية، ذكّرني بأن "التذكير بهذين الإنجازين ضروري لكي تشعر الحركة الشعبية أنها أثمرت، فانه يفيد أيضا أنه يمكن الذهاب ابعد بكثير في رسم ملامح لبنان الجديد، وأن الإحباط ليس قدراً"، نعم، وأثمرت كثيراً "ثورة الأرز"، وآخر ثمارها الفوز بانتخابات العام 2009 عندما ظنّ البعض أنها مهزومة بلا أدنى شك، ففاجأ اللبنانيون الجميع بإصرارهم على خيار لبنان السيّد الحرّ المستقلّ، وهذا الخيار هو فعل إيمان يحتاج إلى ممارسة يومية تؤكّد هذا الخيار، لأن اللحظة التي سننكفئ فيها عن الترديد صباح – مساء على أنفسنا أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه وأنّه سيّد حرّ مستقلّ، وأن قوّته في وحدة بنيه مسلمين ومسيحيين، وأن 14 آذار كحركة سياسية كلما راهنوا على موتها، بُعثت أمام أعينهم كمارد، وأن هذا التاريخ لايزال هدفاً والسعي حثيث لمحوه من تاريخنا، ولكن هيهات.
الحقيقة الوحيدة التي نتأكد منها يوماً بعد يوم، أن لبنان ما بعد 14 شباط 2005 هو غير لبنان ما قبل 14 شباط 2005، والحقيقة الثانية التي علينا أن ندركها، أنّ لحظة التراخي عن حماية منجزات هذا التاريخ، بالتأكيد عليها وبشكل بسيط جداً هو هذا الاحتشاد في ساحة الحرية، فالرّهان مستمر من عامٍ إلى عام على خلوّ الساحة في هذا التاريخ تحديداً، وأن دورنا هنا ليس الاحتشاد لمجرّد الحشد بل لحماية ما حققّه يوم 14 آذار 2005 للبنان فهو يوم استقلالنا الحقيقي الذي أذهل العالم من عزيمة هذا الشعب…
علينا أن نتأمّل ملياً في كلمات الشهيد سمير قصير التي ختم بها مقالته الشهيرة تلك قبيل أسابيع معدودة على اغتياله: "عودوا إلى الشارع، أيها الرفاق، تعودوا إلى الوضوح"… وساحة الحرية تتسعُ للجميع، لكلّ مَن يريد أن يزداد لبنان رسوخاً في استقلاله وسيادته وحريته، ومن يتخلّف منّا هذا العام عن النزول إلى الساحة كما في كلّ عام ليكسر رهان "انفضاض جمهور لبنان المستقل" عن وطنه وعن شهدائه، يمارس من حيث لا يقصد ولا يدري فعل خيانة للبنان أولاً، ولدماء كلّ شهدائه، وخصوصاً دماء شهداء استقلاله الثاني، ودماء من مهّد بدمائه الطريق إلى هذا الاستقلال، الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وكلّ شهدائنا الذين سقطوا واحداً تلو الآخر علّنا نخاف ونقلع عن الاحتشاد في ساحة الحريّة، إذن؛ فلننزل…
الإحباط ليس قدراً، مقالة للشهيد سمير قصير، النهار – 15/4/2005.