الحماوة التي انتجتها زيارة الثالوث الماروني، اميل لحود وميشال عون وسليمان فرنجية الى براد السورية يبدو انها لن تبرد في وقت قريب، بل انها ستبقى تتفاعل، حتى تؤتي هذه الزيارة ثمارها المرجوة منها، حين يشتد الصراع الماروني – الماروني السياسي، ويكبر الانقسام في الكنيسة المارونية حول المرجعية الروحية للامة المارونية التي اطلقها البطريرك القديس يوحنا مارون، وهل هي بكركي حيث بطريرك انطاكية وسائر المشرق، ام كفرنبو حيث تنسك الراهب مارون ووعظ صنع العجائب، ام براد المتاخمة لكفرنبو، والتي تغلب اهلها على اهالي باقي القرى، ونقلوا جثمان مارون من كفرنبو ودفنوه في بلدتهم براد على ما جاء في وصف المؤرخ تيودوريطس.
وعلى الرغم من ان البطريرك صفير، وهو رأس الكنيسة المارونية المشرقية من دون منازع، ولا يستطيع الذاهبون الى براد ان يفعلوا شيئا حيال هذا الواقع، لم يعلق، بما يظهر انزعاجه من هذه الزيارة السياسية، الا ان المطران بشارة الراعي اعلن من احدى الفضائيات انه طلب ممن راجعه بشأن الزيارة تأجيلها الى موعد آخر غير يوم 9 شباط تلافيا لاي تفسيرات وتعليقات كتلك التي حصلت ووترت من جديد العلاقات المارونية المتوترة اساسا، وفي حين رفض العماد عون، عراب الزيارة والساعي اليها منذ زمن وصف الزيارة بأنها تحمل ابعادا سياسية اكثر من ابعادها الدينية والروحية، اسهب حليفه في حزب الله النائب علي فياض كثيرا في البرنامج عينه بالحديث من ان الزيارة تتجاوز الحج الروحي لتشكل منعطفا هاما – حسب رأيه – لدى الطائفة المارونية، باعتبار ان العماد عون يمثل شريحة كبيرة من المسيحيين، بالاضافة الى رمزية وجود رئيس جمهورية سابق، وزعيم شمالي يتمتع بقاعدة شعبية، وانه سيبنى على هذه الزيارة العديد من الايجابيات بالنسبة الى الوجود المسيحي المشرقي، وبالطبع فإن ما قاله النائب فياض مغاير تماما لنظرة الاكثرية الساحقة من المسيحيين، التي تعتبر ان لا مارونية خارج بكركي ولبنان، بل موارنة، يقلون او يكثرون تبعا للظروف الامنية والسياسية والاقتصادية، وان زيارة براد في ذكرى وفاة القديس مارون الـ1600 سنة، والاخراج الاحتفالي الذي اعطي لها، يمثلان خشية لدى المسيحيين عموما والموارنة خصوصا من ان تكون هذه الزيارة الخطوة الاولى في مسيرة سعي حثيث لانتزاع مجد لبنان والمسيحية المشرقية الذي اعطي الى بكركي، باعتبارها القيمة على تراث مار مارون والبطاركة القديسين الذين اعطوا هذا الشرق مفاهيم الحرية والسيادة والاستقلال والبطولة وحب الغير والقبول به، والتزاما بهذه المفاهيم قال البطريرك صفير منذ مدة قصيرة جملته الشهيرة «لا أذهب الى سوريا الا مع طائفتي»، ويصح هنا سؤال الحجاج الى براد، هل ذهبوا الى حيث ذهبوا، بمباركة من كنيستهم ورضى من طائفتهم؟.
* * *
على اي حال، لا بد من الاشارة الى ان الموارنة في لبنان وفي كل العالم ليسوا وحدهم المعنيين بقداسة الراهب مارون، اذ يقول الدكتور اسد رستم مؤرخ الكنيسة الارثوذكسية في كتابه «كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى» عند الكلام عن القديس مارون «ولا تزال الكنيسة الجامعة بفرعيها اليوناني واللاتيني تعيد لهذا القديس الارثوذكسي حتى يومنا هذا» وهذا يشير الى ان الراهب مارون هو قديس كوني يعني الطوائف المسيحية كلها ويحق لابناء هذه الطوائف ان يكون لهم حصة روحية كاملة من تعاليمه حتى ولو كانوا طقسيا في مكان آخر، ومن غير المستبعد بعد الانقسام المؤسف الذي حصل في ذكرى وفاته الـ1600 سنة، ان يكبر الجدل حول هذا الانقسام، وهل هو انقسام احتفالي، ام انقسام سياسي قد يؤدي الى تصدعات في البنية المارونية، وقد يشارك في هذا الجدل اطراف من طوائف اخرى مسيحية وغير مسيحية، على اعتبار ان الذين استفاقوا متأخرين على الحج الى براد، ينتمون الى تيار سياسي واحد، لا يلتقي على ما يبدو مع بكركي ولا مع الفريق الملتزم بتوجهاتها.
هناك سؤال جدي ومشروع يتم التداول به حتى الآن بخفر: هل هي صدفة ان يتم التعرض للمفتي قباني في ذات الوقت مع محاولة اضعاف بكركي؟