غداً الذكرى. ذكرى اغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري. والذكرى ألم. وأكثر من ألم. وفاجعة أكثر. ودمع يمتزج بدمه وأكثر. وأحزان ملأت الوطن، وأكثر واغتياله الذكرى: استحضار لأكثر. اي لما تداعت وما استدعت:
الدم عندما يصير ضوءاً. ومسراه عندما يصير طريقاً. واللون عندما يصبح من ألوان الأجسام والأصوات والعيون. عندما تصير الشهادة ناساً. والناس ولما تجفّ دمعة في مآقيهم يصرخون: أوجعتمونا حتى الموت أيها القتلة! فلننتفضْ! ولنتبع خيطَ الدم. وخيطَ القهر وخيطَ الموت، إلى حيث تكون هناك كلمة واحدة "لا"! ومن "اللا" هدرت الأصوات وتموجت القامات وامتزجت الألوان واختلطت المناطق. وتداخلت الطوائف والأفكار والمسميات والأسماء. انها الفاجعة. فلتُفرد لها ساحات الوطن. ولتُرفع لها الاعلام. ولتنطلق بها الأصوات: انها الحرية الطالعة من الدم. انها الاشارات. التلاويح: ويا للمفارقة عندما تنزف العينان دمعة عالية في اليسرى وقطرة أسىً في اليمنى. هو سر الأحزان الكبرى التي تصنع الأوطان. ومن 14 شباط لحظة الدم الغالية إلى كل شباط 14 آذار وشهر وسنة. فالساحات كلها مفتوحة للصوت الأول بالانتفاضة. وكل الباحات محّج لإعلان الوفاء، وللحقيقة وللثورة وللاستقلال.
وكان ان لبَّت الجماهير ما لم تلبِّهِ ايام القهر والقمع والقتل والجرائم المجهولة والاستبداد والنفي والنهب والتقسيم والشرذمة والحروب المعلبة.. تتقدم الجماهير في 14 شباط وكأنها على منافسة مع الذكرى: الذكرى تصير حاضراً (دائماً) ومستقبلاً لا ينتهي. تماماً كأقنوم الشهادة والحرية والاستقلال. فأي دم هذا، دم الحريري (ورفاقه) صنعَ المعجزة الكبرى. المعجزة الممنوعة. المعجزة التي اطلت من كل الجهات. المعجزة الفاتحة التي جسدتها تلك الجموع الهادرة، جامعة الحلم والألم. في ساحة الحرية وأي صراخات هذه اخترقت سدود المعادن والجيوش والعسس وحراس الجريمة. بل أي جموع هذه طلعت فجأة كألف فصل من الربيع، لتصنع ربيع بيروت، من 14 شباط إلى 14 آذار قبل سنوات، لتستمر. وتستمر وتدك من "حصون" الوصايات ما تدّك، وتهزم من جيوش الظلام ما تهزم. فليتساقط اذاً امام هذه الجموع المولودة من دم الشهادة ما كان يمنعها من اكتشاف ولاداتها في وطنها: وليكن الاستقلال، ولتكن السيادة. ولتكن الحرية. ولتكن المحكمة والعدالة. ولتكن الديموقراطية. ولتكن الدولة. والجيش. والسلم. فلتكن فاتحة كُمّت طويلاً بالقتلة من كل "لسِن وامة".
وكما غنّت ام كلثوم "أصبح عندي اليوم بندقية"، يغني الناس "اصبح عندي اليوم وطن لي. بحجارته. وغيمه. وموتاه. وشهدائه. واحيائه. وأطفاله. وغاباته. وأنهره. وبحره. وغيومه. وثلوجه.. صار عندي وطن أبنيه لي بعدما كان وطناً للآخرين، نبنيه ويدمرونه. صار عندي علم ارفعه، بألوانه أقواسِ قزح من الشعر، بعدما كان يدوسه الآخرون. اذاً انها الشهادة استمرت، من أول قطرة دم من الحريري إلى ما لم ينضب من دماء سمير قصير، وجورج حاوي وبيار الجميل ووليد عيدو وانطوان غانم وجبران التويني وباسل فليحان ووسام عيد… إلى آخرين، دفعوا الأغلى من أجل الحرية التي نتمتعها والديموقراطية التي نستعيدها والسيادة التي نَسودُها والاستقلال الذي يُقلُنا… والمحكمة التي تنتظر القتلة. انها ما صنعه دم الشهادة. انها ما انتجته اساليب الترهيب والتهديد والتخوين والسيارات المفخخة. والحروب المفتعلة (حروب العبابِسة، من عملاء ومجرمين) التي تحولت وسائل مقاومة اجتماعية مدنية، جسدتها الجموع، التي وحدها حقَقَتْ كل تلك الانجازات.
الجموع، التي اعطت دروساً للعالم كله، بأنها قادرة وبصدورها ومناكبها وأصواتها وقاماتها ان تفك اسر وطن بلا سلاح ولا انقلابات ولا محاكم ميدانية ولا اعدامات ولا مخابرات ولا دبابات ولا جرائم. كيف لمثل هذه الجموع أنْ صَنعت من الشهادة ثورة، ومن اللحظة زمناً ومن الموت قيامة.
واستمرت هذه الجموع وعرفت ان الانتفاضة لا تُصنع مرة واحدة ثم تنام، فيخطفها المتربصون بها. وعرفت ان الثورة لا تندلع بلهبها الأبيض مرة واحدة ثم تصبح ذكرى، ليقطف اعداؤها ثمارها. وان المحكمة لا تقر مرة واحدة ثم تنسى في الادراج لتقرضها "فئران" القتلة والارهاب. وان السيادة لا تكتمل الا بالسيادة الموصولة. وان الديموقراطية تصنع كل يوم. وان الدولة لا تبنى مرة واحدة ثم تترك "لاعدائها".. عرفت الجموع هذه الحقائق، وكانت دائماً على موعد مع ما اجترحته. كان ناسها من شيوخ وفتيان ونساء وأطفال.. على اهبة دائمة. على يقظة، على امتداد السنوات الخمس: من 14 شباط 2005 إلى 14شباط 2010، فإلى كل شباط آتِ وكل 14 آذار مقبل. انها الجموع "المستمرة" تبني وطناً مستمراً، انها الجموع اليقظة تحقق ديموقراطية معممة. انها الجموع "العارفة" تفهم ان الذين قتلوا الشهيد الرئيس الحريري ورفاقه الشهداء الآخرين، واوجدوا "العبسي" ووزعوا شارات "مواجهة" ارادتهم لارجاع العهود السابقة، عهود العضاضمة. و"الجماملة" (جميل السيد)، وكل المتواطئين لن يهدأ لهم بال: ينتظرون اللحظة التي سينقضون فيها على مكتسباتهم. وهكذا كان في الانتخابات حيث نزلوا الى صناديق الاقتراع وصوتوا للانتفاضة المستمرة، وللمحكمة المستمرة وللديموقراطية المستمرة والسيادة المستمرة.. وهكذا تدفقوا الى الساحات باعداد مليونية ليقولوا "نحن ما زلنا هنا" يا أعداء الوطن والحرية، ويا ذوي الأطماع. نحن ما زلنا هنا!
غداً، لن أقول كانوا هنا، غداً 14 شباط في ساحة الحرية. سيكونون هناك. عرفوا ان ما صنعوه على امتداد السنوات الخمس، وقد صار ملكهم، يحتاج الى حضورهم. عرفوا ان متغيرات ما تسمى اقليمية أو دولية. قد "تريد" ما لا يريدون، وقد تسعى عبر مستهدفاتها إلى استهداف ما حققوه. عرفوا. ذلك. واستشّفوه. وتنفسوه. وتنشقوه. وقالوا "ما أُخذ بالسلم لن يؤخذ بالمساومات. وما أُخِذَ بالدم لن يؤخذ من وراء الكواليس. وما أُخِذَ بالشهادة لم يؤخذ بالصفقات. وعرفوا جيداً انهم وحدهم قادرون، بوحدتهم وقوتهم على مواجهة كل "الرياح" التي تهب عكس تيارهم. وانهم وحدهم قادرون ليس على منع العودة إلى الوراء. بل على تصحيح أخطاء قياداتهم وتصويبها (انها الجموع ذات الارادات العالية، التي تنتخب وجودَها وحُكامَها وقياداتها، على عكس أنظمة استبدادية ينتخب الحكامُ فيها "الشعبَ"! والسلطة والنواب..) هذه الرهافة النقدية. المعرفية الوجدانية جعلت جموع 14 شباط و14 آذار احياناً اكبر من قياداتها وأوعى، وأدق وأشف.. جعلت منهم في مستوى أحلامهم وقضاياهم وهواجسهم وانتماءاتهم وانجازاتهم.
غداً، يوم آخر. نعم! يوم شهادة شهيد الشهداء. غداً يوم الشهيد الذي يعانق ويعانقه كل شهداء الاستقلال والحرية. انه يوم الألم العالي. لكن يوم الصوت العالي. يوم الفجيعة المدوية لكن يوم الانتصار المُدوّي. يوم الموت، هو، ونريده يوم الموت. (وأكثر من تذكار للموتى) ولكن ايضاً يوم الملحمة. والارث. (ولا يرث الشهيدَ سوى الشهيد، هذا ما كتبناه في المقاومة الوطنية في منتصف الثمانينات ونعيده اليوم). يوم كل شيءٍ غداً. أي يوم المتناقضات والمفارقات والتلاوين والتعدد والتنوع. يوم السماء الزرقاء البِلا حدود. غداً ستنزل الجموع بحمية غير معهودة وكأنها تنزل للمرة الأولى. غداً ستملأ الجموع الطرقات والساحات. والباحات والأبنية والسيارات وكأنها تملأها للمرة الأولى. غداً يوم أول، مرة أخرى، وليس أخيراً، لذكرى الاغتيال، وكأن الاغتيال ما زال "طازجاً" ينفر من العيون والأنفاس والدموع…
يومٌ أولُ غداً؟ نعم! وكل يوم غداَ غداً أولَ، حتى يكون للشهادة، ما تستحقه، من اثمان ومن تضحيات. وحتى يكون للجموع، ما ترتضيه افقاً لها في وطنها الأول والأخير. وحتى يكون للغد فعلُ الأمس. وللأمس فعلُ اليوم. ولليوم فعل الابداع والاجتراح والايمان بهذه الأرض كقيمة وكمجموعة قيم: انسانية، عروبية، لبنانية، ديموقراطية، سياسية، واستقلالية، وحضارية وحداثية. انها قيم الجموع التي تألفت على امتداد خمس سنوات، الجموع المتنوعة، الحية، المؤمنة بحقوقها، ومجتمعها.. انها الجموع التي تصنع الأوطان.. ولا تقولبها الأنظمة والأحزاب المشؤومة!
غداً غدكم أيتها الجموع. غداً غد الشهيد رفيق الحريري، وسمير قصير وبيار الجميل وجورج حاوي وجبران تويني ووسام عيد ووليد عيدو وانطوان غانم انه غد الشهداء.. لكنه غد الأجياء الذين يحيون بقوة الوفاء للذكرى، لكن ايضاً بقوة الوفاء للغد وللوطن!
الغد غدكم! فاحملوه، وتذكروا انه اذا لم يكن الأمس امسكم فهو امس الآخرين عليكم.
فالغد بحضوركم واستمراركم وصبركم ووعيكم واحلامكم.. غدكم بامتياز!
غد الوطن الحر، القوي، العادل، السيد، المستقل، المبدع والمختلف!
الجمهور الاستثنائي وحده يصنع وطناً استثنائياً!