تأتي السنة الخامسة على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لتخطّ فصلاً ولتكون فيصلاً بين سنوات أربع سبقتها، رغم كلّ الشداد والصعاب، أثبت فيها جمهور 14 آذار أنه جمهور حقيقي صاغ نفسه بنفسه وفي لحظة واحدة شكل اندفاعة كبرى في تاريخ لبنان، وخلال السنوات الأربع الماضية أثبت هذا الجمهور أنّ رهانه منذ 14 شباط 2005 كان وما زال على لبنان، السيّد الحرّ المستقلّ، ونحتاج أن نصدق أنفسنا القول لأننا قد نكون نسينا، أنّ احتشادنا في ساحة الحرية في العام 2006 جاء بعد خيبات التحالفات في انتخابات العام 2005، ومع هذا لم يتكئ جمهور 14 آذار على هذا التحالف الذي أصابه بخيبة عميقة خصوصاً بعد يوم 8 آذار…
هذه المرّة الرّهان على لبنان محفوف بالحاجة إلى رهاننا على أنفسنا، على ثقتنا بأنفسنا، في الأعوام الأربعة السابقة، كنّا نتفاجأ من ضعف ثقة قيادات 14 آذار بنا، وحذرهم الدائم من أن تخذلهم حشود السّاحة، على الأقل حدث هذا في الأعوام 2007 و 2008، وكان القلق على أشدّه في العام الماضي 2009 بعد أحداث أيار العام 2008، كان العام الماضي من أصعب سنوات الحشد لأنه كان رداً مسالماً على السلاح في شوارع العاصمة، إلا أنّ العام 2010 أشدّ صعوبة من كلّ السنوات الماضية، لأننا هذه المرّة ندخل امتحان الثقة بالذات، لأننا في هذه المرّة نؤكّد لأنفسنا أننا لا نراهن إلا على إيماننا بلبنان سيّد حرّ مستقلّ، وأننا لا نتكل إلا على أنفسنا في استكمال تحقيق هذا الإنجاز الذي لم يتحقق كلياً بعد..
الحشد هذا العام، ليس حشداً من أجل ترسيخ الشعبيّة، ولا التوكيد على أننا أكثرية، بل حشد لترسيخ القيم الحقيقية لتاريخ 14 آذار 2005، للتأكيد على أن منجزات ثورة الأرز حقيقيّة لا لبس فيها، وأنّ جمهور 14 آذار لا شأن له بالقراءات السياسيّة المغلوطة إقليمياً، وليس خاضعاً لاستشعارات سياسيّة لاتجاه رياح المنطقة فيلوي رقبته بحسب هبوبها، وأن جمهور 14 آذار لم يركب موجة ولم يحقق مكاسب، بل هو القاعدة الشعبية التي يسمونها غالباً صامتة مع أن صمتها هو أبلغ ما يقال..
والحشد هذا العام رهان على لبنان: استقلالاً، سيادة، دولة، وأنه لم يعد ترضيةً لأحد في التسويات الإقليمية، وأنه لم يعد لقمة سائغة لكلّ ذي مطمع، والأهم الرّهان ـ الردّ على أن الوحدة والانصهار الوطني الذي تحقّق في 14 شباط العام 2005 والذي بذلت جهود خارقة لمنع هذه الحلقة من الالتحام، وأن سعياً دؤوباً بذل على مدى سنوات الحرب ليوهمنا أن وحدة اللبنانيين مسلمين ومسيحيين ضرب من المستحيل، فجاء المشهد عفوياً ليهدم كل ما بذِلَت الجهود لمنعه من التحقّق فتحقّق…
أهم ما يتذكره حشد العام 2010 هو حلقة الوحدة الصلبة هذه، وأنها ما زالت هدفاً تصوّب إليه السّهام، وأفهم ما يترجمه الحشد هذا العام هو ترسيخه لمشهد الوحدة اللبنانية هذا، وأن يتذّكر جيداً مقالة دولة الرئيس سعد الحريري "أنا فخور بحلفائي"، فالوقت الذي مضى بُذلت فيه جهود لتعريته من حلفائه وتركه وحيداً في مهبّ التنازلات، ففشلت هذه الرهانات، اللهمّ إلا من نأى بنفسه لأنه قرأ سياسة باراك أوباما على عجل فأخطأ القراءة وأخطأ الاستعجال…
وأهم ما يتذكره حشد العام 2010 ويجتمع حوله مقولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري: "هيدا البلد كلنا بدنا نعيش فيه مسلمين ومسيحيين بالتساوي… أنا هيك بشوف البلد"… قيمة لبنان ومعناه وسبب وجوهر وجوده هو في هذه الوحدة وهذا التساوي، حشد العام 2010 أمام تحدٍّ كبير تأكيد ثقته بلبنان وبنفسه وبالدولة اللبنانية ومؤسساتها وترسيخ للطائف، ومواجهة مع كلّ محاولات الالتفاف على الطائف لنفسه، أو تعطيله، أو تعديله من التساوي إلى التثالث، أو إسقاطه….
ما زال الطريق طويلاً أمام اكتمال منجزات ثورة الأرز، وحشد الغد خطوة على طريق تأكيد هذه المنجزات وحمايتها، وما زال الطريق طويلاً حتى انكشاف الحقيقة في قضية اغتيال الرئيس الشهيد وكل شهداء ثورة الأرز وانتظار تحقيق العدالة، حتى لا يظنّ البعض أنّ هذا الجمهور الذي جاء بلجنة التحقيق الدولية وجاء بالمحكمة الدولية وينتظر القرار الاتهامي وبدء المحكمة أعمالها، لم ينسَ، لأنه ببساطة جمهور 14 آذار هو الذي أكّد مراراً أنه جمهور لا ينسى، مهما راهن من اتكل منذ 14 شباط 2005 على أننا "منبكي جمعة .. ومننسى"!! كثيرون منّا ما زالوا يبكون ويدمعون حزناً على شهداء لبنان الذين سقطوا، إنما بالتأكيد لم ولن ننسى..