الحشود في ساحة الحرية "استعادت" انتصار 7 حزيران ووضعت النقاط فوق حروف المرحلة
قدَرُ رأي عام 14 آذار أن يعيد الاعتبار الى "توازن القوى"
نزلت الحشود بمئات الآلاف الى ساحة الحرية أمس، لتؤكد أن ذكرى الرئيس الشهيد رفيق الحريري محفورةٌ في قلوب اللبنانيين، وأن جماهير ثورة الأرز وإنتفاضة الاستقلال تنبض بالحيوية والدينامية، وأنه كلّما تعرّضت للاستفزاز الـ8 آذاري أو كلّما جرى تحدّي إرادتها الوطنية، هبّت من أقصى لبنان الى أقصاه لتقول إن خلف إستقلال لبنان وسيادته وحريّته شعباً مناضلاً يحمي "القضية" التي دفع رفيق الحريري وسائر الشهداء دماءَهم في سبيلها.
ليس هذا فحسب. فـ"قدر" جماهير 14 آذار أن تصحّح في 14 شباط من كل عام معادلات معيّنة وأن تمحو في 14 شباط من كل عام أثار "عدوان" ما تكون الحركة الاستقلالية قد تعرّضت له، وأن تعيد الاعتبار الى حقيقة توازن القوى الشعبي السياسي في البلاد.
الضغوط والصدمات منذ 7 حزيران
وهذا ما فعلته امس بالضبط
فمنذ إنتصارها في الانتخابات النيابية في 7 حزيران الماضي، واجهَت 14 آذار ضغوطاً وتعرّضت الى نكسات وصدمات. وطيلة ثمانية أشهر "أخضعت" 14 آذار لتوازن قوى غير حقيقي.. بل جرى "تأويل" توازن القوى نفسه، حتى أن الفريق الآخر وعد نفسه بـ"نهاية" 14 آذار.
نُسب انتصار 14 آذار في انتخابات 7 حزيران الى "تنازل" من جانب سوريا.. فلأن سوريا لم تُعطّل حصول الانتخابات أو لأنها لم تتدخّل فيها كفاية، فازت 14 آذار بالأكثرية! ولأن حلفاء سوريا "تقصّدوا" ترك اللعبة الانتخابية تأخذ مجراها ولم يتصدّوا لـ"مخالفات" لوائح الحركة الاستقلالية، فازت 14 آذار بالأكثرية!. وهكذا نسيَ "الفريق الآخر" أنه قبل 7 حزيران كان بدأ يمهّد لانتصار إعتبره محتوماً وكان عبر حلفائه الإقليميين بدأ يطلب من عواصم عدة التكيّف مع انتصار محتوم له. ونسيَ أنه غداة 7 حزيران، لجأ الى عُدّته تمييزاً بين أكثرية نيابية وأكثرية شعبية!
ولمّا لم تُغيّر هذه "الترهات" من حقيقة إنتصار 14 آذار، راهن "الفريق الآخر" على إنشقاق 14 آذار من داخلها. وهنا، صحيحٌ أن زعيم "الحزب التقدمي الإشتراكي" وليد جنبلاط أعلن في الثاني من آب الماضي إنسحابه من تحالف 14 آذار. غير أن الأصحّ هو أن إنسحاب جنبلاط، وقد وضعه تحت عنوان الخروج من الإصطفافات الحادة صوناً للسلم الأهلي، إنما تمّ الإنسحاب تحت ضغط العوامل المناقضة للديموقراطية والمسار الديموقراطي. أي أن إنسحاب جنبلاط كان بـ"عوامل قاهرة". ومع أن ذلك الانسحاب أحدث صدمةً في 14 آذار نظراً الى موقع جنبلاط ضمنها، إلاّ أن 14 آذار عادت وتماسكت وواصلت حضورها.
ولمّا لم يؤدِّ انسحاب رئيس "اللقاء الديموقراطي" الى الإطاحة بـ14 آذار، راح "الفريق الآخر" يحاربُ الحركة الاستقلالية بـ"المصالحات" العربية، وبالتقارب السعودي السوري تحديداً!. وإذ تناسى "الفريق الآخر" أن التقارب السعودي السوري إستند الى إنتصار 14 آذار في 7 حزيران من ناحية وإلى مبادرة سعودية لتوحيد الصف العربي صوناً لـ"الأمن القومي العربي" من ناحية ثانية وإلى إعادة سوريا النظر في عناوين سياستها تجاه لبنان من ناحية ثالثة.. فهو أي "الفريق الآخر" سارعَ بعد ذلك الى حملة منظمة تحت عنوان أن ثمة "عودةً سورية" الى لبنان، أي عودة سوريا الى التحكّم بلبنان، محرّفاً معنى زيارة الرئيس سعد الحريري الى دمشق وإعلانه نيّته كرئيس لحكومة لبنان فتح نافذة جديدة في العلاقات مع سوريا تحت مظلّة المصالحات العربية، ومستنداً الى بعض إشارات سورية سلبية بين آونة وأخرى.
"الحرب" لإنهاء 14 آذار
على أن "الحرب" على 14 آذار من جانب "الفريق الآخر" واظبت على عنوان رئيسي. أي أن تلك الحملة التي لم تكتفِ بمجمل العناوين السياسية السالفة الذكر، ركّزت على فكّ العلاقة بين الرئيس الحريري وحلفائه المسيحيين، بقصد فكّ الشراكة الإسلامية المسيحية التي تمثّلها 14 آذار.. أي بقصد إنهاء 14 آذار والانتهاء منها.
طيلة ثمانية أشهر منذ 7 حزيران إذاً، تواجه 14 آذار ورأيها العام حرباً سياسية لـ"كسر" توازن القوى المؤكد في 7 حزيران. ومما لا شك فيه أن "14 آذار السياسية" واجهت تلك الحرب بعدد من "الارتباكات" وبعض الأخطاء في الأداء السياسي، ما غذّى الحرب عليها من جهة وعزّز الاختلال في توازن القوى.
الجواب: حركةٌ تحمل قضية مستمرّة.. ووعيٌ
كل ذلك مما تقّدم كان في خلفية الحشود في ساحة الحرية أمس.
قالت الحشود إنها هي 14 آذار بل سرّ 14 آذار وبقائها. وأكدت أن عرى الشراكة الإسلامية المسيحية لن تنفصم. وعبّرت ليس فقط عن رقيّ وديموقراطية، بل عن وعي عميق إذ "إحتضنت" نزول وليد جنبلاط الى الساحة وضريح الرئيس الشهيد.. فبدت "فاهمة" للظروف. وأعلنت أنها لا ترتاب من التقارب العربي حتى ولو ركّزت على ثوابتها. وتمسّكت بالاستقرار جنباً الى جنب مع إطلاق العنان لصوتها المنادي باستكمال الإنجازات. وجدّدت كونها حركة شعبية وطنية سلمية. وقالت بالاحتشاد إن توازن القوى هو الذي تنتجه العملية السلمية الديموقراطية. وأعلنت أنها صاحبة قضية مستمرة لأن استكمال الاستقلال لا يزال بحاجة الى أصحاب القضية، ولأن بناء الدولة بحاجة الى هؤلاء، ولأن تصحيح العلاقات مع سوريا بحاجة إليهم، ولأن سيادة الدولة وحصريّتها كذلك.
قالت الحشود ذلك كله أمس. وجّهت رسائل في كل الاتجاهات بأن ليس مسموحاً "محو" توازن القوى، وليس مقبولاً كسره.. وبأن توازن القوى هذا حاجةٌ للاستقرار و"الوفاق" وشرطٌ لهما.. بدونه لا وفاق حقيقياً ولا إستقرار فعلياً. والرسالة الى قادة 14 آذار أن عودوا الى الناس، الى الجماهير.. الى توازن القوى ليكون وفاقٌ متكافئ وإستقرارٌ متكافئ..وليكون الوفاق والإستقرار فعليّين تالياً.
14 آذار الرأي العام نجحت.. والسياسة أيضاً
لقد نجحت 14 آذار الرأي العام أمس. والحق يُقال إن 14 آذار السياسية نجحت أيضاً. فإذا كان صحيحاً القول إن الكلمات الأربع عبّرت عن "حساسيات" المكوّنات الـ14 آذارية، فالصحيحُ أيضاً أن الكلمات "كمّلت" بعضها.
أنظار "الخصوم" كانت تراقب أمس خطيبَين بذاتهما. الرئيس سعد الحريري كان مراقَباً ومتابَعاً وقد قال بعض "الفريق الآخر" قبل الاحتفال إن ما سيقوله سوف "يحسب" جيداً. غير أن الرئيس الحريري نجح في أن يخاطب اللبنانيين رئيساً للوزراء عندما تناول "قضايا الدولة" وزعيماً سياسياً شعبياً حاملاً لراية الدولة عندما تناول "نضال" 14 آذار.
و"الحكيم" سمير جعجع كان مراقباً أيضاً، بل صبّت حملة "الفريق الآخر" عليه أكثر من سواه. لكنه، وقد انطلق من شرعية مسيحية شعبية "مثبتة"، أكد في محصّلة كلمته أن الوحدة السياسية لـ14 آذار غايته وأنّ الشراكة المسيحية الإسلامية مبتغاه، وأن فاعلية "حكومة الوحدة الوطنية" هدفه، فقطع الطريق على كل محاولات الاصطياد في الماء العكر.
كلمات الرؤساء أمين الجميل وفؤاد السنيورة والحريري، وكلمة جعجع.. كانت جميعاً على خط التواصل مع "شعب 14 آذار". وإن كان يقتضي التنويه بـ"السقف" الواضح والشفّاف لخطاب الرئيس السنيورة في كل المسائل التي تناولها "بلا قفّازات".
قالت الحشود كلمتها.. أعادت الاعتبار لتوازن القوى. عاد سعد الحريري الأقوى في المعادلة السياسية..وتعزّز موقعه.
وبعد ذلك.. إذا كان ثمّة "ستاتيكو" مديد، فليكن على توازن قوى حقيقيّ كي يكون إيجابياً.