#adsense

14 شباط 2010 .. الشهادة والحشد والدلالات

حجم الخط


14 شباط 2010، يوم مشهودٌ آخر، في سلسلة الأيام الوطنية المشهودة. كل الوطن من أقصاه الى أقصاه، بمسيحييه ومسلميه، كان وفياً لرفيق الحريري في ذكرى مرور خمس سنوات على استشهاده ورفاقه الشهداء. وعلى اسمه وفي ذكراه اجتمعت الحشود، لتعلن تجديد ولائها للمبادئ التي استشهد من أجلها، ولتؤكد أن حضورها المتجدد إنما هو فعل ايمان بهذه المسيرة.

في ذكرى مرور 1826 يوماً على ظهيرة 14 شباط 2005 الحزينة. على غياب الأرزة الكبرى التي هَوت بفعل أكبر جريمة إرهابية في ما اصطلح على تسميته زمن السلم في لبنان، وعلى يد حطابين مجانين، يصعب الكلام عن سرّ عدم الغياب، أو، بمعنى أدق، سرّ "الحضور" الدائم والمتجدد والمتألق في القلوب والعيون والوجدان لرفيق الحريري. إنه، ببساطة، الوفاء. والوفاء في بعض وجوهه حبٌّ، والحب عند المحبين في 14 شباط، مسألة تتعدى الأسباب والموجبات والحيثيات والمعاني والتواريخ… فتغدو المحبة سراً لا يعرف حدودها ومعانيها والتزاماتها إلا المحبون والأوفياء.

إنه، بحسب ما أكدته اندفاعة هؤلاء يوم أمس، موقف وفاء لصاحب الذكرى من جهة، وموقف التزام سياسي وأخلاقي ووطني للوريث والزعيم والقائد من جهة ثانية.

ثمة أبعاد كثيرة للمسيرة الحاشدة التي جرت أمس على المستويين الوطني والسياسي، فهي في آن ردّ على خطاب التبسيط والخفة الذي ادّعى أن ما أخرج هذا الجمهور في السنوات السابقة إنما هو الاستقطاب الكبير الذي قسم البلاد حينها، فحشد يوم أمس، كان الردّ الصريح والمباشر أنه بمقدار ما وقف خلف زعامته في لحظة الشدّة، فإنه يقف معها في لحظة المصالحة والبناء وإنجاز التسويات على قاعدة حماية السلم الأهلي، وصون العيش المشترك والشراكة الاسلامية – المسيحية، ودعم الشرعية والمؤسسات الدستورية ومراعاة المتغيرات والإفادة من حراك الداخل والخارج.

توازياً، لا يمكن إغفال أن هذا الجمهور الذي "لم يخيّب" الظن، إنما "سلّف" موقفاّ للقيادات السياسية التي دعته للنزول، فهو أكسبهم الرهان في تحدي استنفاره مسقطاً كل الرهانات ومثبتاً أنه لا يزال متمسكاً بثوابته التي أطلقتها جريمة الاغتيال، بل ومتجاوزاً كل التوقعات من حيث المشاركة والزخم والدينامية السياسية.

ومسيرة الأمس، من جهة أخرى، تدل على مناخ سياسيّ آخذ في التبلور، فـ"احتشاد" يوم أمس، إكتسب معنى التأسيس لمرحلة لبنانية جديدة، وإكتسب معنى الإستفتاء في صالح الخيار الذي اتخذه الرئيس سعد الحريري بعد الانتخابات النيابية الأخيرة، محدداً ملامحها بـ "الاستقرار، المصالحة العربية، التضامن في مواجهة التهديدات الإسرائيلية، تعطيل أسباب الفتنة الداخلية في مصلحة لبنان أولاً". ولأن "أي شكل من أشكال التكاذب أمام ضريح الرئيس الشهيد هو جريمة جديدة"، أكد الرئيس الحريري أنه "لن تكون هناك أيّ فرصة للبيع والشراء على حساب الكرامة الوطنية، وعلى حساب نظامنا الديموقراطي أو المحكمة الدولية أو الطائف أو المناصفة التامة بين المسيحيين والمسلمين".

إن استحضار الرئيس سعد الحريري لمعاني التسوية الوطنية الجامعة في إطار التسوية العربية الكبيرة إنما هو إعادة اعتبار لإرث الرئيس الشهيد. ألم يكن رفيق الحريري في السياسة رجل الاعتدال والتسويات لأن مزاجه الأخلاقي والديني كان كذلك، ولأنه كان يدرك في أعماق الوعي واللاوعي ان السياسة بمعناها الأشمل والأرحب يجب ان تكون تراكماً للتسويات وقرارات الاعتدال؟.

وفي دلالات مواقف الحريري الذي أرجع الفضل في كل المكتسبات التي تحققت في لبنان منذ 2005 بالحرية والسيادة والاستقلال إلى "كل اللبنانيين واللبنانيات"، متجاوزاً التصنيف السياسي، إعادة الاعتبار للشرعية التأسيسية التي تنطلق من الشعب، الى الجمهور الذي حقق بنزوله في 14 آذار 2005، هدماً لجدار الخوف وتشكيلاً للجنة تقصي الحقائق، وفي 14 شباط 2006 إنشاء للمحكمة الدولية مع صدور القرار الدولي 1595، وفي 14 شباط 2007 إقراراً لنظامها مع القرار 1757، وبعد 14 شباط 2008 انتخاب رئيس للجمهورية وصدّ حملة إسقاط الجمهورية، وبعد 14 شباط 2009 حسم زيادة الأكثرية في موقعها الدستوري والشعبي.

هنا أبدع الرئيس الحريري الذي نجح في تحدي زعامة تيار سياسي، في تقديم خطاب وطني جامع، خطاب رجل الدولة كرئيس حكومة الوفاق الوطني، فيما يبقى على الآخرين ملاقاته دعماً لهذه التوجهات.

من الدلالات اللافتة في مسيرة أمس أيضاً، بروز علمي كلّ من المملكة العربية السعودية وتركيا، في بحر الأعلام اللبنانية التي ملأت الفضاء والأمكنة بزهو ألوانها. وإذا كانت ردة فعل الجماهير العفوية على ذكر الرئيس الحريري لدور خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في فتح نافذة المصالحات العربية، شديد الدلالة والتعبير، فإن في الحضور التركي المستجد على الساحة اللبنانية وفي المنطقة عموماً، كوسيط مقبول وراعٍ لحسن الجوار، مؤشراً إلى ملامح مرحلة الشراكة الإستراتيجية مع دول الإقليم الفاعلة، وعلى كل حال يسجّل لمن وراء هذه الخطوة حُسن اختيار التوقيت والمكان والمناسبة والجمهور.
بالأمس، ما أَخْلَفَ اللبنانيون الموعد، وما حُقّ لهم ذلك، مع شهيدهم الكبير، فكان ملء العيون وملء القلوب والحناجر. وكانوا، كما أرادهم وعمل لأجلهم، نِصاباً وطنياً مكتملاً.

ما كان اجتماع الحشود، اجتماعَ تأمل واعتبار ووفاء وودّ وأسى فحسب، وإن كان مشحوناً بها ما بقيت الحقيقة مغيّبة، بل كان مع ذلك توازياً وتساوقاً، وقفة مراجعة وعهد ووعد وتأكيد المضي في التمسك بالمشروع والرؤية، والمبايعة للوريث في الزعامة والقيادة وعمل الخير؛ تحت عناوين التمسك بالطائف، وحماية الاعتدال، وصون الوحدة الوطنية، والايمان بلبنان الدولة، ولبنان النظام، واعتماد الوسائل الديموقراطية للإصلاح والتنمية، والتفاعل مع العالم والمحيط.

كان رفيق الحريري وسط الجموع، حبيبا حوله المحبون، كان كل الألقاب والأسماء والصفات، كان، كما دائما، الحدث والموضوع، والمبتدأ والخبر.. في القلوب والنفوس، في الأرض ومدنها والقرى، في الهضاب والأرياف، في القناطر والجسور التي أعلى وعمّر، فكما الوطن عصيٌ على الزوال، كذلك هو وجه رفيق الحريري.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل