مر احياء ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري بسلام، معيدا تثبيت البعد الشعبي الواسع لقوى 14 آذار الذي ما تمكن اختلال التوازن على مستوى امتلاك فئة سلاحا ان يغير منه. حتى ان الاستدارة التي قام بها النائب وليد جنبلاط في اتجاه دمشق و"حزب الله" لم تقترن بعد باستدارة للرأي العام الدرزي. والحق ان جنبلاط نفسه تجنب الضغط اكثر على قواعده التي لا تزال تنظر بريبة شديدة الى العلاقة مع "حزب الله"، والتي تحكمها حتى الآن ذكريات "غزوة" الجبل من جهة وتمسكها بتراثها الاستقلالي الذي قاده جنبلاط.
وإذا كان رئيس "اللقاء الديموقراطي" قد اختار وسيلة للمشاركة في احياء الذكرى بالتفاهم مع الرئيس سعد الحريري مفادها انه غادر 14 آذار فعلا من دون ان يغادر الحريري تماما، فإنه باختياره لقاء الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله مساء اليوم نفسه بعث برسالة مضمونها انه اكثر انحيازا الى خصوم الامس من ذي قبل، علما انه مهد للقائه ونصرالله بإبراز تحفظه عن مفهوم "لبنان اولا" الذي يمثل ذروة التناقض بين التيار الاستقلالي وكل من سياسات الحكم السوري في لبنان و"حزب الله". والايام والاسابيع المقبلة، وبعد زيارة جنبلاط لسوريا، ستبرز حدود الاستدارة على صعيد المواجهة الباردة بين الاستقلاليين وقوى 8 آذار ببعديها الاقليميين. وكل هذا سيجد له في ما بعد ترجمة على صعيد العمل الحكومي.
لا يختلف اثنان في ان الحكومة وبعد اسابيع على نيلها الثقة لا تزال معطلة في ظل تمسك الجميع بتهدئة الخطاب السياسي مخافة ان ينزلق الوضع الى مواجهة في مجلس الوزراء. وفي هذا المجال تشعر الاطراف كلها بأن من مصلحتها عدم الظهور بمظهر المفجر للوضع السياسي مع التحولات التي اصابت المشهد الاقليمي منذ حصول المصالحة السعودية – السورية، التي ينظر اليها السعوديون في شقها اللبناني على انها بوابة لتثبيت تهدئة مع دمشق تفتح امامها الطريق لـ"عودة" سياسية منطقية لا تصل الى حد العودة الكاملة، في حين ينظر اليها السوريون على انها اجازة لـ"عودة" اكثر قوة وتأثيرا في السياسة وفي غير السياسة. من هنا كان الدور السوري في فتح الباب امام ولادة الحكومة، ومن هنا تبدو ملامح الاستدراج الجديد للقوى الاستقلالية نحو مزيد من التنازلات، واللجوء الى "الاطفائي" السوري. ومعلوم بالطبع ان الدور السوري واي دور آخر ما كان ليكون بهذا الحجم لولا تنافس اطراف لبنانيين على التبعية للخارج.
اذاً الحكومة معطلة حتى إشعار آخر، واستتباعا فإن معالجة هموم الناس معلقة هي الاخرى ريثما يخف منسوب المناورة السياسية مع ارتفاع منسوب الالتفات الى شؤون الناس الحياتية التي لا تهتم كثيرا بالمسارات السياسية. ومن هنا يحق للناس ان تسأل عما آلت اليه الموازنة العامة، التعيينات، ومجموعة مشاريع القوانين النائمة في ادراج رئيس مجلس النواب، واجراءات الخصخصة، ومشاريع اصلاح قطاع الكهرباء وغيرها… والحال ان المؤشرات كلها تدل على ان المرحلة المقبلة ستتسم بالمراوحة والتعطيل على الصعيد الحكومي من دون ان يصل الامر الى تصعيد سياسي مواز. ومن نافل القول إن رئيس الحكومة يواجه هنا تحديا غير مريح في ظل افتقاده الاكثرية داخل مجلس الوزراء مع تمايز جنبلاط الذي يتوقع ان يزيد ويتعمق في المرحلة المقبلة.
ثمة امر آخر يجدر التوقف عنده، هو ان حال المراوحة والتعطيل على "البارد" تعكس نوعا من الانتظار… انتظار شيء ما في المنطقة ينعكس على الساحة اللبنانية.