خُطَب حلفاء الحريري لم تختلف في إطارها السياسي
نتائج "مجرّبة" لمحاولات عزل أطراف مسيحيين
على غير ما ذهب اليه افرقاء لبنانيون في قراءة الخطب التي القاها اركان في قوى 14 اذار في الذكرى الخامسة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، وتصنيف هذه الخطب او تمييزها بقوة عن خطاب رئيس الحكومة سعد الحريري لاسباب سياسية غير خافية في ابعادها وخلاصتها، في ارتباطاتها واهدافها المحلية او الخارجية، فإن مراقبين سياسيين وديبلوماسيين لم يجدوا غضاضة في الثناء على الموضوعية والواقعية التي اتسمت بها مواقف الخطباء. فانطلاقا من معرفة هؤلاء المراقبين جميع الافرقاء الفاعلين والمشاركين في الحكومة نتيجة سعي سياسي وديبلوماسي دائم الى استطلاع مواقف الافرقاء واحتمالات تأثير مواقفهم على الوضع الداخلي، فان ايا من اركان قوى 14 اذار لا يبدو بعيدا في الجوهر والمضمون كما في الشكل بالنسبة الى هؤلاء عن الخطاب الذي عبر عنه رئيس الحكومة سعد الحريري في المضمون والخلفية والابعاد. ولكل الخطباء الآخرين غير الرئيس الحريري، أي الرئيس امين الجميل والرئيس فؤاد السنيورة والدكتور سمير جعجع، صولاته وجولاته في شبكة من العلاقات تسمح له، شأن كل الافرقاء الاخرين، بالبقاء على اطلاع وثيق على تطورات الامور، وهم ليسوا بعيدين عن حيثياتها واحتمالاتها ايضا، كما يرى هؤلاء ان لا مصلحة لأي من اركان قوى 14 آذار بأن يكون بعيدا عن السرب بقيادة الحريري ركنا من اركان 14 اذار، حتى لو وجدت خلافات في وجهات النظر، اذا وجدت في الوضع الراهن او كان التعبير او السقف السياسي مختلفا .
بالنسبة الى بعض السياسيين المحليين، يخشى ان يؤدي استمرار التصنيف او الفرز، باعتبار ان الذكرى الخامسة للحريري ليست المناسبة الاولى التي يحصل فيها ذلك، الى انتاج وضع مشابه لما قبل 2005، خصوصاً على المستوى المسيحي في تلك الحقبة بكل تفاصيله، في حين يتم العمل على اعادة زعماء الطوائف الاخرى الى الاطار السياسي نفسه او اللعب على الوتر السياسي الذي كان يشكل عناوين المرحلة الماضية، رغم ان العودة الى ما سبق على نحو كلي تبدو صعبة او يستسهلها البعض او يسعى الى توظيف عامل الوقت من اجل تحقيق ذلك. والمهم في هذه الحال ألا يعاد انتاج حال مسيحية كتلك التي كان يمثلها العماد ميشال عون في السابق وكذلك الدكتور سمير جعجع، عبر دفع الكتائب و"القوات اللبنانية" الى ان يؤديا هذه الادوار، اي تحويلهما حالا وحيدة معزولة حتى عن حلفائهما عبر السعي الى التمييز بينهم، لإعادة توحيد المسيحيين حولهما والمساهمة في تفتت الخصم المسيحي لهؤلاء. ويخشى هؤلاء السياسيون المحليون ان يؤدي ذلك الى انتاج حال "بطولة" او "ضحية" بكل معنى الكلمة، نتيجة المواجهة او العزل السياسي اعلاميا على الاقل كخطوة اولى، اذا صح ذلك، علما ان الانتقادات غير المبررة وفق ما يحصل راهنا بدأت تقوي مواقف مسيحيي 14 اذار وحزبيهما الاساسيين لدى المسيحيين تزامنا مع تقدير يحصده خطابهما، وخصوصا خطاب جعجع على صعيد سياسي واسع ليس مسيحيا فحسب، بل اسلاميا ايضا، نتيجة منطق بدأ يثير الانتباه اكثر فاكثر وبدا مقنعا بالنسبة الى كثر لبنانيا وديبلوماسيا ايضا، وان لم يساهم حتى الآن في اعتبار اللبنانيين المعنيين مناصرين او مؤيدين له كما بالنسبة الى محازبيه. ويخشى ان تؤدي اي مواقف مماثلة في كل مناسبة يبرز فيها اختلاف الخطاب السياسي، علما ان لبنان ليس بلد الحزب الواحد والايديولوجية السياسية الوحيدة، الى تعميق هذه المشاعر، خصوصا متى بدأ المنتقدون يتحدثون بعبارات واحدة تذكّر بزمن تعميم الكلمات والعبارات، وليس فقط المواقف، كأن في الامر مايسترو ما يقود المجموعة السياسية المتآلفة.
فاللعبة السياسية الداخلية تعيد في هذه الحال انتاج واقع سياسي يستحضر عناوين يفترض انه قد مرّ عليها الزمن، خصوصا ان اللاعبين السياسيين المحليين والاقليميين هم انفسهم تقريبا منذ زمن ما بعد اتفاق الطائف، وعاشوا مراحل مماثلة. وهذا الامر مثار استغراب لاعتبارات، من بينها اولا ان الحكومة الحالية حكومة وحدة وطنية في حين ان ما يجري على الصعيد السياسي، وعبر مظاهر مختلفة، ان من خلال مشهد الانقسام المسيحي او مشهد الفرز السياسي في ذكرى الرئيس رفيق الحريري، الى جانب المظاهر الخلافية في عدم التوافق على اي امر في مجلس الوزراء، تنم عن مخاض في محاولة لإحداث تحول سريع الى حد ما في المشهد السياسي الداخلي في زمن ضائع ومضطرب اقليميا ودوليا على حد سواء، تتبدل فيه الاولويات وتبرز مصالح جديدة. ثم ان الافرقاء الداخليين انفسهم يُبقون لبنان اسير الصراعات، وهم غير قادرين على الخروج منها، او لا يرغبون في ذلك، متجاهلين فرصة إحداث حالة سياسية جديدة تسمح باعادة بناء مؤسسات الدولة مجددا.