مرة جديدة استعادت ساحة الحرية حشدها الجماهيري. فلقد كان مدهشاً فعلاً ان يمتد ذلك الجسر البشري المتدفق على امتداد خمسة اعوام، من 14 شباط 2005 الى 14 شباط 2010، معانداً كل السدود ومحاولات الخنق، سواء بالاغتيال وقد تساقط الشهداء بداية، او بالتعطيل وقد استمر اربعة اعوام عجاف، او بـ "فخت الدفّ" اخيراً ليتفرّق "العشاق"، لكن الناس ليسوا بمتفرقين !
وهكذا عندما خاطب الرئيس سعد الحريري الجماهير قائلاً: "نعم، انتم صنعتم 14 آذار. كل واحدة وواحد منكم هو 14 آذار. انتم القيادة الحقيقية والفعلية لـ14 آذار"، كانت الشبكة الاوروبية – الدولية للاخبار، التي نقلت صوراً من الساحة، قد علّقت حتى قبل بداية إلقاء الخطب، قائلة ما معناه: في 14 آذار قبل خمسة اعوام خرج اللبنانيون وفاء لرفيق الحريري الذي رسم في أذهانهم صورة وطن يتوقون اليه، الآن يخرجون بقوة مرة جديدة من اجل الوطن الذي اليه يتوقون !
❑ ❑ ❑
اذاً الحلم قائم والوعد مستمر والاصرار يتخطى منذ البداية قشرة السياسات العابرة الينا، ليتصل بجوهر توق اللبنانيين المكنون الى وطن وهوية وحرية ودولة وقانون يمثل سقفاً يحمي الرؤوس ويحمي البيوت، ويعيد الى الناس، او بالاحرى يعطيهم، احساساً بجدوى المواطنة في ارض لم ترتق بعد الى مرتبة الوطن.
ليست الروزنامة هي الاساس، ثمار الزمن هي الاساس، واذا كانت "الآذارية" تخلق مساً كهربائياً في الجسد السياسي اللبناني هنا او هناك، فإن 14 آذار، سواء في بيانها التمهيدي للاحتفال او في تحديد يوم 14 شباط، وهو تاريخ اغتيال الرجل الذي زرع بستان الحلم بوطن يمثل درة العرب ولؤلؤة آسيا، كما دلت افعاله لا الاقوال، وسواء في الخطب التي استمعنا اليها اول من أمس، تريد فعلاً ان تمضي في الطريق او بالاحرى ان تلاقي الحشود في منتصف الجسر، عبوراً الى الدولة التي تؤتمن فعلاً على قيامة الوطن وحمايته وديمومته.
تماماً كما قال سعد الحريري الذي زاوج زعامته الحزبية بزعامته السياسية رئيساً للحكومة، في اطار من المسؤولية الصريحة والجريئة، وقد عكس كل هذا في خطابه المدروس جيداً. فشعب لبنان الذي خرج من القمقم لا يريد لوطنه ان يعود ساحة او لديموقراطيته ان تبقى مباحة، فنحن نصنع مستقبلنا بأيدينا وقرارنا وحريتنا ليبقى لبنان رسالة الشرق الى العالم.
لبنان رسالة الشرق الى العالم؟
كان في وسع الذين عرفوا جوهر رفيق الحريري وشاهدوا حلمه ان يسمعوا تصفيقه اول من امس يرتفع من الضريح ليطغى حتى على دوي الحشد، فقد كان الرجل هناك وعاين كل شيء مطمئناً وقريراً.
واذا كانت الوحدة الوطنية هي المنطلق الاساسي للعمل على بسط سلطة الدولة والقانون، فهي ايضاً الروح الذي يفترض ان يقويّ يد لبنان الممدودة وجناحه العابر فضاء النافذة السعودية، التي شرّعت الاجواء العربية على المصالحات، الى ارساء قاعدة متينة للعلاقات بين لبنان وسوريا من دولة سيدة حرة مستقلة الى دولة سيدة حرة مستقلة.
❑ ❑ ❑
هل يتعارض هذا مع شعار سعد الحريري "لبنان اولاً" الذي يخلق دائماً حساسية غير مفهومة او مبررة مثلاً لدى وليد جنبلاط، وهو ليس الوحيد الذي لا تعجبه اولوية لبنان؟
قطعاً لا. فالدولة الحرة السيدة المستقلة تعني "لبنان اولاً". وعندما يقال مثل هذا الكلام على لسان القادة السوريين فإنها تعني "سوريا اولاً". ولكي تكتسب العروبة ثباتاً وقوة وتحظى قضية الامة العربية في فلسطين بما تستحق من اولوية، يفترض وبالضرورة ان يكون "لبنان اولاً" عند كل لبناني، وسوريا اولاً عند كل سوري… وهكذا في كل بلد عربي، ذلك ان اولوية لبنان عند اللبنانيين هي فقط التي تعطيه مناعة تساعده على اداء دوره القومي.
واذا كان 14 شباط، تاريخ استشهاد رفيق الحريري، قد تحوَّل ساحة الحرية التي تتدفق اليها سنوياً آمال اللبنانيين وطموحاتهم، مطالبين بأن يكون لهم وطن ودولة وهوية وحرية وسيادة ورسالة الى العالم، على ما قال قداسة البابا يوماً، فإن ما فعله سعد الحريري بسعد الحريري في خمسة اعوام مضت هو جسر آخر ترتاح اليه آمال ذلك الرجل الذي استمع الى كل شيء من داخل ضريحه !