فيما قرقعة طبول الحرب باتت تصم الآذان، لا بد للشعب اللبناني أو ما يسمى بالأكثرية الصامتة، والتي تؤثر الابتعاد عن الشؤون السياسة، من أن تقول كلمتها بشأن ما ينتظرها من كوارث وخراب قد ترى نفسها بين ليلة وضحاها معرضة لها، نتيجة حرب مدمرة يكثر الكلام عن حدوثها في الآونة الأخيرة. فالاستعدادات والتمركزات العسكرية التحضيرية لم تعد تنحصر بمنطقة الجنوب عامة، بل باتت تصل إلى داخل مختلف المناطق اللبنانية وصولاً إلى الشمال وسهل البقاع على امتداده. والخطورة القصوى تكمن في توسع أي نزاع مستقبلي بين حزب الله وإسرائيل، ليتحول إلى حرب بين الدولتين اللبنانية والإسرائيلية، يضطر الجيش اللبناني إلى الانخراط الكامل بها، ملزماً الدولة اللبنانية على الصعيدين الحكومي والشعبي بأوضاع استثنائية وذات تداعيات خطيرة بالنسبة للنظام الديمقراطي اللبناني القائم. أوضاع إستثنائية ونظام ديمقراطي مهدد، لأنه وكما حدث بالسابق سوف يصبح رأي الناس وموقفهم تجاه الحرب مهمشاً وثانوياً عند اندلاع النزاع، وانخراط القوى المسلحة فيه، حيث تقوم وتسود شرعة واحدة هي "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". لذا لا بد من موقف شعبي قبل اندلاع الاشتباك، عله يساهم إن لم يكن في لجم أو عرقلة عجلة التدهور باتجاه خيار المواجهة، يكن في إسماع صوت غالبية اللبنانيين الرافضين لتعرضهم من جديد لحرب عدوانية مدمرة يصعب التنبؤ هذه المرة بنتائجها .
قد يقول بعضهم بأن لبنان ومقاومته المسلحة هما دائماً في موقع الدفاع، وبأن الاعتداء يأتي من الطرف الإسرائيلي بذرائع مختلفة. في الحقيقة هي مقولة سمعناها قبلاً وخلال وبعد حرب تموز 2006. ومن المحتمل أن نسمعها مجدداً تمهيداً لتبرير توريط لبنان وشعبه بحرب مقبلة وهي صحيحة. ولكن في الحقيقة لا يهم الشعب اللبناني بعامة، من يستدرج من إلى ساحة المعركة. وجل ما يقلقه وينغص عيشه اليوم هو الخوف على المصير، وعلى نتائج حرب يقال إنها سوف تكون أكثر تدميراً من السابقة، إن من ناحية تكثيف وتنويع الأسلحة لدى الطرفين وإن من ناحية التوسيع المحتمل لدائرتها.
لا تهم المواطن اللبناني العادي الساعي وراء تحصيل لقمة عيش كريمة، والجاهد لتربية أولاده في أجواء آمنة، لا تهمه المناورات الكلامية وتوزيع الأدوار الجاري بين نتانياهو ووزرائه وبيانات المسؤولين العسكريين وتهديداتهم. وإذا كان اللبنانيون يشعرون بشيء من القلق تجاه التهديدات الصادرة عن دوائر الحرب في إسرائيل، والتي تسهب في وصف التحضيرات الجارية للمواجهة المتوقعة مع حزب الله على الحدود الشمالية، فكلام نتانياهو الساعي لتهدئة التوتر الحاصل نتيجة هذه التصريحات، في قوله بأن إسرائيل "إنما تسعى إلى السلام مع جيرانها" لا يحمل كثيراً على التفاؤل والطمأنينة والاسترخاء نظراً لدهاء ومكر نتانياهو المعروفين. بل يمكن القول إن كلام نتنياهو يزيد من نسبة الحذر والقلق، كونه يؤكد على حتمية المواجهة، من ناحية وروده في سياق كلام المزايدة الذي يصدر دورياً على لسان المسؤولين الإسرائيليين الذين يدعون رغبتهم في السلام فيما يعدون العدة للذهاب إلى الحرب. فإسرائيل تسعى إلى الحرب وربما قد تقبل بالمباشرة بمحادثات سلام في الوقت نفسه، لأن السلام الذي تريده إسرائيل هو سلام يقوم على أساس شروطها، شروط تريد أن تفرضها بواسطة نصر تراه مؤكداً في ساحة المعركة.
وما تجدر الاشارة اليه أيضاً هو أن أي حرب يتورط بها لبنان هذه المرة قد لا تكون نتيجة فرضها حصرياً من قبل طرف ما على آخر. والأرجح أنها تخدم مصالح فريقي النزاع. وإذا كانت أهداف الحكومة الإسرائيلية من وراءها اليوم هي عديدة، منها تحييد الأخطار المحتملة من حدودها الشمالية في حال ضربة تنفذها على المنشآت النووية الإيرانية، أو توظيف نتائجها في سياق عملية سلام مقبلة(كما تراه هي)، فالطرف الإقليمي المقابل أي إيران، تسعى من وراء الحرب لتحقيق أهدافها الإقليمية كما الدولية في ما خص أزمتها النووية العالقة مع المجتمع الدولي.
وفي وقت يسعى زعيم تيار المستقبل الشيخ سعد الحريري جاهداً على خطى والده الشهيد لإبعاد هذه الكأس المرة من جديد، عن طريق استدراج تدخل الدول المؤثرة (تركيا وفرنسا) على الطرفين المتنازعين، فاللبنانيون هم مدعوون لقول كلمتهم ما يُحضّر اليوم على حسابهم، وعلى حساب أرضهم وممتلكاتهم، ومستقبل بلادهم وأولادهم. عليهم أن يقولوا رأيهم في ما يخطط لهم، وأن يقفوا وقفة واحدة مسلمين ومسيحيين ومن مختلف المناطق ليقولوا: لا للحرب … كفى حروبا. على أمل أن يستشعر العالم المتحضر، ويتحرك الضمير العالمي لمؤازرة شعب محكوم عليه منذ أكثر من خمسة عقود دفع ضريبة الدم فداءً لأزمات المنطقة كلها.