تفاوتت تعليقات المعارضة على الكلمات التي القيت في مهرجان 14 شباط بين من كان يأمل بإعتراف الاكثرية بخطأ لم ترتكبه وبين من كان يتطلع الى المزيد من الاخطاء كي يدعي لنفسه انه لا يزال في الموقف الصح، حتى وان كان معظم من علق على المناسبة من النوع الذي يبقى مطالباً بمواقف له مختلفة عما سبق نظراً لاختلاف بعض السياسات المحلية بفعل ما طرأ من متغيرات، خصوصاً عندما يقول اقطاب في المعارضة ان «عبارة لبنان اولاً لم تعجبهم» وهؤلاء قد انساقوا تلقائياً وراء «عبارة المصلحة الخاصة اولاً»، من غير ان يحسبوا حساباً لما سبق لهم ان قالوه تحديداً قبل ان يستبدلوا مقود قيادتهم في الاتجاه المعاكس!
وهناك من يقول انه «كان بعد ناقص من اعترض على اللهجة السياسية لمن تحدث في 14 آذار ان يحدد ما ترجوه قوى 8 آذار التي باتت تخجل بحمل هذه التسمية، بعدما اعادت جدولة تحالفاتها في سياق ما يمنع عودة النقزة الى مسيحيي المعارضة. وفي الحالين ثمة من يجزم بأن قوى 14 آذار قالت ما هي بصدده وبأن قوى المعارضة نطقت بما ورد على لسانها لمجرد انه يلبي المطلوب منها في مثل هكذا مناسبات!
لقد قيل الكثير عن الكلام السياسي، لكن احداً لم يجرؤ على مقاربة ما حفل به مهرجان الذكرى الخامسة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري من تجمع جماهيري حاشد بلغ حد استغراب القوى الداعية الى النزول الى ساحة الحرية بمستوى استغراب من كان يراهن على ان قوى 14 آذار قد اضاعت البوصلة التي جمعتها سابقاً وبالتالي توقع المراهنون اياهم مشاركة شعبية وسياسية خجولة قبل ان يفاجأوا بخطأ حساباتهم السياسية – الشعبية بما في ذلك حسابات التشكيك والتخويف والتهويل التي مورست في بعض المناطق واسهمت بها جهات رسمية لم تقل ما يطمئن الى احتمالات معاكسة!
قد يكون كلام الرئيس نبيه بري اكثر تحديداً من سواه بالنسبة الى ما قيل في مهرجان 14 آذار، فيما ظهرت تعليقات غيره بطريقة مسطحة لم يفهم منها انها كانت تنتظر ان يقول باقي خطباء المناسبة غير ما تطرقوا اليه ازاء قضايا الداخل والخارج، بما كان يضمن لهم مادة دسمة لمزيد من التشكيك في أهداف وطرق تعاطي الاكثرية مع ما حدث، وهذا شبيه الى حد بعيد بالانتقادات التي صدرت عن قوى حليفة لـ 14 آذار لم تقدر على ان تفهم بدورها حتمية متغيرات الساعة، مع كل ما عنته القوى المشار اليها من انها لا تزال تتطلع الى مزيد من التصعيد بعد فشل مساعي المهادنة في امور لا تحتمل انصاف حلول!
في كلام الرئيس بري على خطاب رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري في ذكرى 14 آذار ما يفهم منه انه «متوازن» ليصل رئيس المجلس الى حد القول ان الكلمات الاخرى تحتاج قراءتها الى بعض الوقت، ربما لأنها تقتضي تفاهماً بين اركان المعارضة، او لأن هناك رغبة بتفويت فرصة اعتبار قائلها انه اكبر من حجمه السياسي والشعبي، بعد طول كلام على ان هناك جهات (مثل القوات اللبنانية) قد عملت لتظهر في المناسبة وكأنها تخصها اكثر من اصحابها، بدليل تغييب اعلام المعارضة صورة الحشد القواتي التقليدي براً وبحراً!
من حيث المبدأ، فإن مهرجان ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري يحتمل المزيد والمزيد من الكلام والتعليقات، طالما ان قوى 14 آذار لا تزال محسوبة في خانة وطنية وسياسية مختلفة عن قوى 8 آذار، خصوصاً ان محاولات الالغاء لم تثبت جدواها على رغم اختلاف الجهات المحاولة وعلى رغم المساعي التي بذلت لفرط عقد الاكثرية، بحسب تصورات من راهن على القول ان الانسحاب التكتيكي لرئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط من صورة قوى 14 آذار سيؤدي الى تشويه المشهد العام لمن بوسعه المحافظة على ارث الرئيس الشهيد، لا سيما ان ظهور جنبلاط امام ضريح الرئيس الحريري عزز مقولة استحالة تغيير جلده مهما حاول ومهما وظف له غيره من قدراتهم لإنجاح خطوة تبديل صورته التي ظهر بها في مهرجانات الذكرى سابقاً؟!
اوساط القوات اللبنانية قالت بصريح العبارة، مثلها مثل اوساط احزاب الكتائب والاحرار والكتلة الوطنية وغيرها من قوى 14 آذار، انه لا يضير المعارضين اتهامهم بأنهم ليسوا في وارد تغيير نظرتهم الى تطورات مرحلة ما بعد انسحاب جنبلاط من الاكثرية.
كما يقول هؤلاء ان بوسعهم التشكيك في صوابية تصرف الاخير بعدما تأكد لهم ان من يسعى جنبلاط الى تحسين علاقته بهم لم يقبضوه عن جد، بقدر ما سعوا الى تبرير تغيره بما يحفظ للطائفة الدرزية عمقيها السوري والعربي، من ضمن توقع حصول ابتعاد جنبلاطي قسري عن مسرح الاحداث، اثر تأمين ارث البيت القيسي ونتيجة حتمية لعدم تفاعل الدروز مع خصمه وارث البيت الارسلاني النائب طلال ارسلان.