في أوج جنون البركان اللبناني المتدفٍّق موتاً ودماراً، ويأساً، وفيما كان تحالف الشياطين والاشرار يمعن قتلاً وطعناً في جسد أميرة الشرق بيروت، أطلق غسان تويني تلك الصرخة المدويَّة في أرجاء المبنى الزجاجي المتكئ على ضفة نهر هدسون، مناشداً أمم الأرض أن "دعوا شعبي يعيش".
كانت صرخة للداخل والخارج معاً، للشرق والغرب، للشقيق والصديق وعدو العدو في آن واحد.
وكان البلد المسوَّر بالنار والمحاصر بآلة الحرب من الجهات الأربع، يواجه قدره وحيداً. الاهمال الدولي من أمامه واليأس العربي من ورائه، فأين المفرّ؟
فجأة، وفي خريف العام 1978 أثمرت صرخة مندوب لبنان لدى الامم المتحدة قرارين أدَّيا في العام 2000 الى انسحاب اسرائيل من كل لبنان، باستثناء "وتد" شبعا، و"الحجر الأسود" في قرية الغجر…
استفاقت في ذاكرتي ووجداني تلك الصرخة، وأنا أصغي أمس الى استاذ غسان وهو يستعيد اللحظات المشرقة في ذلك الليل الطويل، متسائلاً باستغراب وتعجُّب كيف تصبر حكومة سعد الحريري على كل هذا الجبل من التعقيدات والعراقيل والاحابيل التي تعطٍّل حركتها، وتؤخِّر مباشرتها ورشة الانماء والاعمار والاصلاح، والتي "تنتظر مبادرتها على أحرٍّ من الجمر.
أَليسَ في هذه الجموع السياسيَّة الحزبيَّة الشعبيَّة مَنْ يقف ويصرخ بالمعطّلين والمعرقلين وواضعي عصي التعديلات والاقتراحات في دواليب الانتخابات والتعيينات والاصلاحات: دعوا الحكومة الجديدة المعطلة منذ أشهر ومنذ نيلها الثقة، تنطلق الى العمل والانتاج والبناء والإنماء، والى ما فيه خير كل لبنان، وما ينتظره منذ سنين كل اللبنانيين؟
ودعوا جانباً هذا الأسلوب البالي والذي أكل الدهر عليه وشرب، وحرِّروا البلد المعطَّل والمشلول منذ خمس سنوات من هذه الأوزار والأعذار والأحابيل التي لا تنجب سوى المزيد من النقار والبطالة والكساد والفساد والهجرة.
ولكم، لكم جميعكم يقول غسان تويني ما قاله للشرعيَّة الدوليَّة قبل اثنين وثلاثين عاماً. وفي ارجائكم ونواحيكم وعروشكم وكراسيكم يصرخ لائماً وغاضباً "دعوا شعبي يعيش"…
بل دعوا لبنان يعيش.
دعوه ينهض من بين ركام الأحقاد، والضغائن، والانانيات، والشهوات، والشخصانيّات.
دعوا البلد المكبَّل بالتداخلات والارتباطات والارتهانات، من داخل ومن خارج، ينفض عنه غبار الحروب، وغبار الانقسامات، وغبار الشلل والتعطيل المتعمّدين، ليعود الى نفسه والى ما كان عليه.
وليعود ذلك اللبنان الذي تغنَّى به العالم، وذلك الوطن الرسالة الذي أدهش حتى قداسة البابا ذلك اليوحنا بولس الثاني، ولم يتمالك نفسه من التعبير عن حزنه لما يحل بهذه "الجزيرة" المقتطعة من الجنة على الارض.
ولم يكتم دمعة تدوّي كصرخة غسّانية وهي تنهمر كشلاّل من الاحتجاج والرجاء.
لا شيء، لا نصَّ، لا تعديل، لا مطلب، يستحق ابقاء البلد مؤجلاً بكل ما فيه وما عليه، ويبقي الدولة مفككة ومسربلة، ويبقي الحكومة غارقة في جدالات بيزنطية لا قرار لها.
فدعوها تنصرف الى ما يحتاج اليه لبنان واللبنانيون، والى ما هو أجدى واكثر الحاحاً وإفادة ونفعاً. وحرّروها من كوابيسكم.
واطلقوا سراح لبنان من أسر المحاصصات والرهانات والارتهانات. واعتقوه من أوهام لا تحمل اليه سوى المزيد من الشلل والمزيد من التفتت والانقسام والموت البطيء.