شبح الحرب الشاملة يحوم فوق منطقة الشرق الأوسط والإدارة الأميركية بين العودة إلى سياسات سلفها أو ترك الأمور لإسرائيل
الهروب إلى الأمام قد يشعل المنطقة
من السهل دائماً استبعاد وقوع حرب ما دامت هذه الحرب لم تقع. جرت الأمور على هذا النحو عبر التاريخ. لم يمنع ذلك نشوب الحرب. على العكس تماماً، بقدر ما كانت الحرب تستبعد، بقدر ما كانت تجيء ضروساً، مزلزلة، تذهب بزمن وتأتي بزمن جديد.
من السهل دائماً استبعاد وقوع حرب. لكنها حالما تقع حتى يصير وقوعها كما لو كان محتوماً منذ كل وقت. وحتى تصير كل الأحداث وكل المواقف، كل المسارات وكل المنعرجات، تقود إليها. وحتى تصير كل الأمور الغامضة حقائق مخفية تنتظر لحظة انفجار العنف للسطوع علينا.
هكذا، فإن الاستبعاد التبسيطيّ لاحتمال نشوب حرب جديدة في الشرق الأوسط لا يفيد إلا توسيع احتمال وقوع مثل هذه الحرب.. ولا يفيد إلا توسيع نطاق هذه الحرب إن وقعت.
هذا لأن الإستبعاد التبسيطيّ لاحتمال نشوب حرب جديدة في الشرق الأوسط إنّما هو استبعاد يستند إلى جملة أوهام. الوهم الأوّل هو أنّ ثمّة منظومة ردع متبادلة، أي توازن من الرّعب يمكنه أن يقينا الرّعب نفسه. فهذا يمكنه أن يؤذي ذاك، وذاك يمكنه أن يردّ فيؤذي من أذاه، وليس ثمّة من بمقدوره إحتمال هذه الشدّة!
إنّه منطق أقلّ ما يقال فيه إنّه طفوليّ، فليس ثمّة في الدنيا شيء إسمه توازن إفتراضي بين رعبين. توازن الرّعب لا يقينا من الرّعب نفسه، لأنّ ثمّة حاجة، دائماً، إلى ممارسة هذا التوازن على أرض الواقع، أي تحقيقه.. من خلال الإحتكام إلى المواجهة الحربيّة.
أمّا القدرة على إلحاق الإذية بالسكان والبنى التحتية والحيوية فهي تزكي الإتجاه إلى المواجهة الحربية أكثر مما تستبعده، فإذا كان طرف لا يريد ملازمة منطق الحرب الكلاسيكية، التي لا توجّه بشكل منهجيّ ضد السكّان والبنى التحتية والحيوية، فإنّه إمّا هو يخاطر، وإمّا هو يقرّر، سلفاً، نقل المواجهة، من دائرة الحرب الكلاسيكية، إلى دائرة الحرب الكليّة.
وهذا بالفعل هو الكابوس الذي يحوم فوق منطقة الشرق الأوسط حالياً: الحرب الكليّة، الشاملة.
ويمكن القول إن العدّ العكسيّ لهذه الحرب الكليّة، الشاملة، بدأ من أفغانستان، مع الحملة العسكرية ضد الطالبان. الغاية التي ترسمها الإدارة الأميركية لهذه الحرب هو تأهيل قسم من حركة طالبان للحوار السياسيّ، والفصل بين طالبان "قاعدية" وأخرى "سياسية". لكنّه مجرّد تبرير وهروب إلى الأمام. تحاول الإدارة الأميركية أن توحي بأنّها ما زالت عند وعودها الإنتخابية ولم تفارقها إلا "مؤقتاً"، لكنّه لا يسع هذه الإدارة أن تحدّد أجل هذا "المؤقّت"، ولا أن تضمن عدم إمتداده، وعدم توسّعه إلى إعادة خلط الأوضاع في كل من أفغانستان والباكستان.
المطبّ نفسه تقع فيه هذه الإدارة في طريقة تعاملها مع الملفّ الإيرانيّ. في أفغانستان تريد أن "تحارب" لكي تفصل بين طالبان فرع القاعدة، وبين طالبان فرع السياسة. أمّا في إيران، فتنعى وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون "الجمهورية الإسلامية" كما كانت قائمة عشية الإنتخابات الرئاسية، وتتصف بكثير من التعددية في دائرة إتخاذ القرار، وتقول إنّ إيران "متجهة صوب الديكتاتورية العسكرية"، في إشارة إلى محاولة الإدارة الأميركية ربط سياسة تشديد العقوبات الجارية حالياً بتركيز هذه العقوبات على "الحرس الثوريّ الإيرانيّ" أملاً في إيجاد متسع للفرز بين "مكابرين" و"واقعيين" من جديد.
الذهنية نفسها هي التي تحكم الإدارة الأميركية في الحالتين. في الحالتين ثمّة رهان ليس يجوّزه الواقع. لكن مؤدّى هذا الرهان هو أنّ الإدارة الأميركية تجد نفسها، مرغمة، بحكم إنفلات الوضع في الشرق الأوسط الكبير، بأن تعود فتأخذ عملياً بسياسات الإدارة السابقة، لكن في وضع مختلف كليّاً، ليس يمكن السيطرة عليه. هي تأخذ بهذه السياسات من دون الإقتناع بها، ومع التصوّر بأن تأخذ بها بشكل "جزئيّ" و"مؤقّت".. وكل ذلك يمكنه أن يدفع أكثر فأكثر المنطقة بإتجاه الأجواء الإحترابية.
هذا من جهة أفغانستان والباكستان وإيران والخليج. أما من جهة الصراع العربي الإسرائيلي فإن إدارة الرئيس باراك أوباما نعت عام الوعود "الإحيائية" لمفاوضات السلام، وأقرّت بفشلها أمام التعنّت الإسرائيليّ لكن على قاعدة توزيع المسؤوليات على الجميع، وهذه وضعية مناسبة جدّاً لإسرائيل، وللتطرّف في إسرائيل اليوم، ولا سيّما إن التقى هذا التطرّف مع إرادة حربيّة في الجيش الإسرائيليّ، فكيف فوق ذلك، إن أعطيت لهذا التطرّف ذريعة، ولو بسيطة، في القادم من أيّام. إن منطق الهروب إلى الأمام يمكنه أن يشعل المنطقة.
في عموم الشرق الأوسط، يرسي سلوك الإدارة الأميركية على التالي: إمّا العودة إلى سياسات سلفها، وإمّا ترك الأمور إلى التطرّف الإسرائيلي كي يلعب لعبته. وقد يتبين، متأخّراً، أنّ كل هجر لسياسات جورج بوش الإبن لم يخدم في نهاية المطاف إلا ترك الأمور إلى التطرّف الإسرائيليّ.