جهود حثيثة بُذلت منذ انتهاء مهرجان 14 شباط في الذكرى الخامسة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وتوزّعت بحسب اختصاص كلّ منها، بدءاً من "خردقة" مشهد الحشد الذي يثير حساسية وحفيظة البعض كلما اجتمع واحتشد من جديد حتى لنخال البعض يتساءل بضغينة: "ما بال هؤلاء الناس لم ينفض شملهم بعد، وما بال دماء رفيق الحريري لا تكفّ عن جمعهم، وما هو هذا الوفاء الذي يكنّونه لهذا الرّجل والحزن عليه الذي لا ينتهي؟!" وأخرى دأبت على القيام بدورها الدائم في "دقّ الأسافين" ومحاولة التفريق بين الحليف وحليفه، كأنهم يخالون أسافينهم سِحْراً يودّون لو يقدروا أن يفرّقوا به بين الابن وأبيه، فكيف بين الحليف وحليفه ؟ وبعض يحاول توزيع "الفتور" على الساحة فيعتبر أن الخطاب أصيب "مثله" بداء الخضوع للمتغيرات الإقليميّة!! والبعض يريد أن يقنعنا أن لغة الخطاب خفتت مستخفّاً بمعرفتنا أن صاحب "الخطاب الناري" المتجاوز كلّ السقوف غاب هو وخطاباته التي كانت تصيب جمهور الساحة حتى بالوجوم من شدّة تفلّتها من كل الضوابط!!
البارعون في "التهيؤات" انكبّوا على محاولة غسل أدمغة جمهورهم بالتفريق بين خطاب الرئيس فؤاد السنيورة وخطاب دولة الرئيس سعد الحريري من جهة، أما خيالهم الخصب فاشتعل بتهيؤات "التفرقة" تمهيداً للتفريق وللإيحاء ـ بحسب أمانيّهم ـ باقتراب "الفراق" بين الرئيس سعد الحريري وحليفه في 14 آذار الدكتور سمير جعجع… عملياً منذ الأحد الماضي وهذه الأقلام تكتب ثمّ تصدّق ما تكتبه، وينبري كتبتها لتوزيعه عبر الشاشات على أنه تحليلات سياسية، مع أنه ليس إلا أضغاث أحلامهم، فهم كالعادة يأخذون الكلام ويجتزأونه عن كلّ ما يتصل به تمهيداً لتحريفه عن معانيه، والمضحك أن قراءتهم هذه أودت بهم إلى تصديق ما تصوروه وهماً فوزاً في الانتخابات مثلاً، حتى أصيبوا بصدمة الهزيمة، ومع هذا لايزالون يعتمدون هذه التقنية!!
و"من الآخر" سنقول لهم انّ خطابات قيادات 14 آذار تصبّ كلها في مجرىً واحد هو "لبنان أولاً"، ومشروع قيام الدولة وبسط سلطتها على جميع أراضيها، فأي مقاربة موضوعية بسيطة وتدقيق مقارن بين خطابي دولة الرئيس سعد الحريري والدكتور سمير جعجع تؤكّد أن الرؤية واحدة، والخطاب واحد، وأن واحدهما "مُجْمَل" وثانيهما "مُفَصّل"، فأين الاختلاف؟ ولماذا هذا الاستياء الزائف المتعمّد الذي يبدونه تجاه خطاب الدكتور سمير جعجع، مع أنه في مضمونه شديد التناغم مع خطاب رئيس الحكومة سعد الحريري؟! عملياً إذا ما وضعنا مقاطع الخطابين مقابل بعضها البعض نكاد نظنّ أنهما نصّ واحد صيغ بأسلوبين، فسعد الحريري خاطب جمهور 14 آذار بقوله: "قبل خمس سنوات نزلتم إلى هذه الساحة لتقولوا أن المارد الذي ظنّ القاتل أنه تخلّص منه قد أخرج المارد الذي هو شعب لبنان من القمقم وهو لن يرضى بعد اليوم أن يعود إليه. شعب لبنان المارد نزل في 14 آذار 2005 إلى هذه الساحة، ليقول إن وطننا لن يعود ساحة وإن ديمقراطيتنا لن تبقى مباحة وإن مستقبلنا نصنعه نحن، بأيدينا، بقرارنا، بحريتنا وعقولنا ليبقى لبنان، رسالة الشرق إلى العالم، وان العبور إلى الدولة في لبنان هو عهد قطعناه على أنفسنا وشهدائنا وجميع اللبنانيين. نعم، أنتم صنعتم 14 آذار، كلّ واحدة وواحد منكم هو 14 آذار، أنتم القيادة الحقيقية والفعلية، لـ 14 آذار. وها أنتم هنا اليوم، كما في كل سنة، لتقولوا للعالم أجمع، ها هي 14 آذار، هذا هو مشهد 14 آذار"، أما الدكتور سمير جعجع فخاطب نفس الجمهور بنفس المعنى والأسلوب: "ها هي هنا، الهيئة الوطنية العليا الحقيقية، للشراكة، والوحدة الوطنية الفعلية في لبنان. قولوا لهم: ها هي ساحة الحرية الفعلية، التي تتغنون بها كل يوم. وقولوا لهم: ها هي هنا المقاومة، اللبنانية، الوطنية الفعلية، التي تتكلمون عنها كل ساعة. المقاومة اللبنانية: لأن شعارها لبنان أولا، وثانيا، وثالثاً، ورابعاً، وأخيراً، المقاومة الوطنية: لأنها تنطلق من مصالح اللبنانيين أولاً لأنها وحدها بالفعل، قادرة على حماية لبنان وليس سواها. منطق الدولة وحده هو المقاومة الفعلية، حكومة لبنان وحدها هي التي تحمي لبنان وشعبه".
وخاطب رئيس الوزراء جمهور 14 آذار مؤكداً: "كان سبيلنا الوحيد للدفاع عن لبنان في 14 آذار 2005 هو وحدتنا الوطنية، فلا سبيل لنا اليوم وغداً ودائماً للدفاع عن لبنان واللبنانيين جميعاً إلا الوحدة الوطنية، بهذه الروح نواجه المرحلة الجديدة ونمد الأيدي للتعاون في سبيل جعل الاستقرار الوطني، حاجةً لبنانيةً عامة، لبسط سلطة الدولة والقانون وحماية النظام العام"… وبالطبع لا نظنّ أنّ بسط سلطة الدولة والحفاظ على القانون وحماية النظام العام تحتاج إلى "جهابذة" لفهم وضوح معناها، فكل سلاح بدءاً من سلاح المخيمات الذي أخرج الناس من بيوتها هرباً إلى الشوارع أمس الأول في مشهد متكرر في مخيم عين الحلوة، انتهاء بكل سلاح خارج سلطة الشرعية يساعد على بسط سيادة الدولة…
أما الدكتور جعجع فأشار مفصّلاً إلى كلّ سلاح خارج مؤسسات الدولة بقوله: "واجبنا الوطني، يحتم علينا، مصارحة اللبنانيين بالقول: إن بقاء أي سلاح، خارج مؤسسات الدولة اللبنانية، بات يشكل عبئاً، لا قدرة للبنان واللبنانيين على تحمله، وهو ما قد يستجلب، اعتداءات خارجية، واستدراجاً للبنان"، ولا نعلم لمَ يستنفر دعاة بقاء السلاح إلى "زوال الكيان الصهيوني" أو قيام الساعة، أو قيام دولة المهدي ويزعجهم الحديث عن السلاح، فيما الجميع متفق على أنه موضوع خلافي مُحال على طاولة الحوار المعطلة حتى الآن حتى لا تبحث هذا الأمر تحديداً، وفي نفس الوقت يتجاهلون أن الدكتور جعجع دعا إلى موقف وطني يطالب به جميع اللبنانيين في أن يكون السلاح من ضمن استراتيجيّة دفاعية تجعله تحت سلطة الجيش اللبناني، فقال: "إن قادة الفريق الآخر، مدعوون، لاتخاذ قرار وطني شجاع، يقضي، بالموافقة، على وضع إمكاناتهم العسكرية، بتصرف الدولة اللبنانية، وقرار السلم والحرب، في مجلس الوزراء من دون سواه. هذا هو السبيل الوحيد، للنأي بلبنان، عن تجاذبات المنطقة، وتداعيات هزّاتها المحتملة… ولتجنيب شعبنا المزيد من الدماء، والدموع والمآسي"…
ونتساءل: بماذا يختلف قول جعجع: "مسؤولية حماية لبنان، تفترض أن يكون المسؤولون عنها، مسؤولين أمام الشعب والوطن، فلا يتصرفون، بغير ما تمليه عليهم المصلحة الوطنية العليا، ولا يجرون اللبنانيين، إلى آتون من الحديد والنار، دفاعاً عن ملف إقليمي من هنا، أو نووي من هناك"، عن مقالة دولة الرئيس سعد الحريري: "لبنان أكبر متضرر من الانخراط في لعبة المحاور، والمصالحة العربية فرصة للبنان لا يجوز أن تضيع"…
وما الفرق بين قول دولة الرئيس سعد الحريري: " قبل عامين رفعت الصوت أمامكم هنا: لبنان أولاً، لبنان أولاً، واليوم أرفع الصوت مجدّدا لبنان أولاً، الاستقرار في مصلحة لبنان أولاً، والمصالحة العربية في مصلحة لبنان أولاً، والتضامن في مواجهة التهديدات الإسرائيلية في مصلحة لبنان أولاً، وتعطيل أسباب الفتنة الداخلية في مصلحة لبنان أولاً (…)"، وقول الدكتور سمير جعجع: "أردناها حكومة وفاق وطني، للعبور إلى الوحدة والدولة (…) أردناها حكومة وفاق وطني لحماية لبنان واللبنانيين، راهنا عليها، ولم نزل (…) لقد كانت حكومة الوفاق الوطني، تحدياً كبيراً منذ اليوم الأول، ولم تزل، وأنتم، ونحن، مستمرون في قبوله".
أما في المحكمة الدولية فالخطابين أيضاً متطابقين، الرئيس سعد الحريري قال: "لن تكون هناك أيّ فرصة للبيع والشراء على حساب الكرامة الوطنية، أو على حساب نظامنا الديمقراطي أو على حساب المحكمة الدولية أو على حساب الطائف أو على حساب المناصفة التامة بين المسيحيين والمسلمين في لبنان وسيبقى لبنان أولاً، شعارنا لكلِ المراحل، وعنواناً للقرار الوطني الحر المستقل"، وقال الدكتور جعجع في خطابه: "لا مساومة على المحكمة، لن نقبل تشويشاً على عمل المحكمة، لن نسكت على أي محاولة لقتلها واغتيالها، المحكمة وجدت لتحكم وستحكم، سنقبل أحكام المحكمة مهما كانت، ناضلتم من أجل المحكمة وحصلتم عليها، وتناضلون الآن، من أجل الحقيقة والعدالة، وستحصلون عليهما"..
بالتأكيد الساعون بشدّة بل "المستقتلون" لضرب التحالف الإسلامي ـ المسيحي في 14 آذار لن يكفّوا عن محاولتهم، وتخطئ 14 آذار في كل مرّة عندما تترك في المجال متسعاً للذين يحاولون زرع الشقاق والتفريق بين قياداتها وخطاباتهم، فلا نكاد نجد محللاً واحداً يُجري قراءة يقارب فيها القواسم المشتركة بين خطابات قياداتها، ولا مَن يحزنون!! فيما تُبرى أقلام المتربصين كالسيوف استعداداً للانقضاض على مشهد الوحدة هذا فور انتهائه، وهذا تقصير من 14 آذار وقياداتها لأنها لا تنجز عملها على طريقة"سوّوا الصفوف، سدّوا الفُرَج، استقيموا يرحمكم الله"، بل يتركون ثقوب التمايز والتنوّع ليتسلل منها أصحاب الخيالات المتوهمة علّهم يغسلون أدمغة الناس من المشهد الذي لايزال يثير غضبهم، وسيظلّ..