كتب سيمون ابو فاضل في "الديار":
على خلفية التجاذبات السياسية التي شهدتها البلاد، منذ نتائج الانتخابات النيابية وما رافقها من اجهاض لها وسعي للالتفاف عليها. وبعد جملة خطوات او محطات لجأت اليها قوى "14 آذار" وعلى رأسها رئيس "تكتل لبنان اولاً" ورئيس الحكومة بعدها سعد الحريري، وبينها زيارته لسوريا، وبعد ان وضعت قوى "8 آذار" في حساباتها بانها تقدمت عملانياً على قوى الغالبية، اثر انسحاب رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط، من قوى "14 آذار"، اذ بعد صيغة تشكيل الحكومة وتبني رئيسها حماية المقاومة من اسرائيل، بعد هذا المسلسل المقتضب من مسار قوى "14 آذار"، جاءت الذكرى الخامسة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري لتعيد الواقع الى ما كان عليه سياسياً وشعبياً عشية هذه الجريمة.
ولا يعني بان المشهد السياسي – الشعبي الذي شهدته العاصمة معناه انتقال قوى "14 آذار" الى موقع الهجوم على الفريق المواجه، بل اتى هذا الواقع ليظهر بان منطق الثورة المرتقب له دائما ان يشهد برودة او يرتد على ذاته بعد دخول منطق الدولة، لم يطبق بعد، اذ بدا سياسيا وشعبياً ومن خلال المواقف، ان الدولة بمفهومها الذي يسعى اليه رئيس الحكومة سعد الحريري، لم يتكون اطارها الواضح بالنسبة له، وكذلك كان الواقع ايضا مع جمهور هذا الفريق الذي لم يتقبل تطويق ارائه واقتراحاته، بل عاد الى الساحة مجدداً للتأكيد على قراره من زاوية استعادة شعار "14 آذار" العام 2005، اي الولاء للبنان والوفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري.
وقد تمكن هذا الاحتفال – الذكرى بان يكون يوماً وطنياً منطلقاً من ثوابت قوى "14 آذار"، التي فاخر بانضمامه اليها رئيس الحكومة سعد الحريري والذي فاخر بكونه احد ناشطي هذه الجموع التي لبت نداءه، تضامنا معه في مواقفه الداخلية والاقليمية معبرة له عن ثقتها بخياره.
وانتقال قوى "14 آذار"، الى الموقع المتقدم في المعادلة لا يعود لكون رئيس تكتل لبنان اولا، يتولى رئاسة الحكومة، بل لان رئيس حكومة الوفاق الوطني الذي زار سوريا لترتيب العلاقات بين البلدين، وبعدها شارك في لقاء البريستول مع قوى "14 آذار"، ليؤكد على خياره السياسي الى جانبهم، بدا في الوقت ذاته واحداً من ثلاثة مسؤولين في المعادلة الاقليمية – الدولية الموزعة بين الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز والرئيس السوري الدكتور بشار الاسد ورئيس حكومة لبنان سعد الحريري.
اذ في وقت كان الفريق المعارض لقوى"14 آذار"، يجتهد في القراءة وفي التحولات السياسية لمواقف رئيس الحكومة اثر زيارته سوريا، وصولا الى حد التداول في تعديلات قد تطال حلقة القرار الضيقة له، مضفين الاطراء والمديح على مقربين اليه، في مقابل اخرين، تبين بان فريق رئيس الحكومة متكامل في الرؤية والمسؤولية وغير قابل للاختراق من الاساليب ذات البعد الامني.
واذا كان رئيس الحكومة سعد الحريري من موقعه الحريص على الحقوق العربية والحاضن للمقاومة في وجه اسرائيل التي تلقى منها تهديدات مباشرة، قد تجاوز ترسيم الحدود ليتقمص دور الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، من زاوية غزارة اسلوبه الخطابي فانه في الوقت ذاته عاد ليؤكد لجمهوره على انه ما زال متمسكاً بشعار "لبنان اولاً"، وبكل ثوابت هذه الحركة وبالمحكمة الدولية التي هي هاجس هذه الشريحة وامالها.
لكن في الوقت ذاته، بدا ان الجمهور المسيحي لبّى الدعوة بكثافة، وهذا الامر دون التوقف امام الحشد الذي امنته "القوات اللبنانية" وفرقاء "14 اذار" في هذا المحور، لكن اذا كان للرئيس الحريري في الواقع الجديد مدى دولي كاحد اقطاب المعادلة الثلاثية الاقليمية العربية، واذا كان رئيس حزب الكتائب الرئيس امين الجميل يلقى تأييدا لدى الاوساط السنية انطلاقا من حرصه على الصيغة، واذا كان رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة يمثل رمزاً للصمود لقوى "14 آذار"، فان الحملات التي سبقت الذكرى في حق رئيس الهيئة التفنيذية لـ"لقوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع فشلت في تطويقه واسقاط عنه صفة الزعيم الوطني ورجل الدولة، الذي يحظى بتأييد مسيحي واسع، ينسحب على صفوف الطائفة السنية، وبتفاوت في الوسطين الشيعي والدرزي التزاماً مع الخصوصيات المذهبية.
فقد كان الدكتور جعجع الحليف الضروري في هكذا معادلة، امام الاستمرار في محاولات ضرب قوى "14 آذار"، ليس فقط انطلاقا من واقعه الشعبي – السياسي بل لان الرجل يمتلك رمزية في اسلوب منطق المقاومة مارسه من معقله السياسي، وهو في الوقت ذاته لم يكن محرجاً في خطابه، على غرار حليفه رئيس الحكومة، وهما اللذين تعاطيا منذ بداية ثورة الارز بمنطق العقل والحكمة للوصول الى تحقيق العدالة وحماية الاستقلال الثاني، بعيداً عن الانفعالات والمراهنات والحسابات الشخصية. وفي موازاة الانتصار الذي حققه رئيس الحكومة بعد هذا اليوم الحاشد رغم ذهابه الى سوريا، كانت التفسيرات في هذا الشأن، مرحباً بها من قاعدته اثر الثقة المترابطة بينهما.
لكن في وقت شكلت زيارة رئيس الحكومة الى دمشق مدخلاً لتعزيز الصف العربي لمواجهة اسرائيل ومع كل ذلك بقيت قواعده الى جانبه، وفي وقت يربط رئيس الهيئة التنفيذية لـ"لقوات اللبنانية" الدكتور جعجع العلاقة مع سوريا من زاوية العلاقات الضرورية بين دولتين جارتين، لكل منهما سيادتها ومعتمداً منطق "الحجر مكانه قنطار" لناحية عدم الحماسة للذهاب الى دمشق على غرار حليفه السابق رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط.
في ظل هذا الواقع، يظهر ان رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" ليس في الاولويات السورية لاستقباله.
فاذا كانت زيارة الرئيس الحريري تعطي دمشق وفق حساباتها مدى دولياً لما يمثل شعبياً وسياسياً وشخصياً، فان واقع النائب جنبلاط اضحى مغايرا كلياً عما كان عليه سابقاً.
اذ على صعيد الطائفة الدرزية، ما زال الزعيم الاول لها، لكن الى جانبه منافسة متواضعة من جانب النائب طلال ارسلان وخرق امني – سياسي لمنطقة الشوف من جانب رئيس تيار التوحيد وئام وهاب القادر على اعلان فتح جبهة الجولان ضد اسرائيل محاطاً بابناء بني معروف، في وقت يعرب النائب جنبلاط صراحة بأن تململا شعبيا يواجه خياره السياسي بالتقارب مع سوريا.
في الوقت ذاته اتسعت الهوة بين النائب جنبلاط وبين الوجدان السني لأبناء الطائفة بعد ابتعاده عن زعيمها سعد الحريري الذي يسعى الى احتضانه قدر الامكان واعيا خصوصية طائفته.
وفي المقابل لم تصلح المصالحات الجرح بين الطائفتين الدرزية والشيعية على ما خلفته تداعيات "7 ايار" الماضي.
اما مسيحيا فإن فك تحالفه انقضاضيا على "القوات اللبنانية" والدكتور جعجع عزز قلق مبدد نفسيا لدى مسيحيي الجبل، لكن خسارته ثقة هذا الفريق المسيحي في "14 آذار" لا يعني بأنه سيكون في مقاربته مع رئىس تكتل التغيير والاصلاح النائب العماد ميشال عون في واقع افضل. فإذا كانت "القوات اللبنانية" ارادت التعاطي الهادئ، فإن اسلوب النائب عون في التعاطي مع موضوع الجبل لا يستطيع تقبله النائب جنبلاط الذي خسر "القوات اللبنانية" ولن يربح "التيار الوطني الحر".
وبذلك فإن البعد الوطني لدور النائب جنبلاط قد انحسر امام واقع القوى السياسية.