أحدث خطاب الأمين العام لحزب الله مساء الثلاثاء "نقزة" عند كثير من اللبنانيين، خصوصا وهو يضع معادلة التدمير في الحرب المقبلة، والتي مهما غلفها بنبرة تحدي صارخ هي غير مقنعة للبنانيين، ولنا على هذا الخطاب ثلاث ملاحظات أساسية، الأولى:
أنه تعمد في خطابه التهكم ساخرا من بنية لبنان التحتية فالكهرباء عندنا "تنقطع" – ولم ينس أن يقول عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم – واللبنانيون معتادون على ذلك، متجاهلاً أن أحد الأسباب لهذا الانقطاع ما جره على البلاد في حرب تموز يوم قصفت محطة الجية، ومتجاهلاً أيضاً فتن قطع الطرقات النقالة بالدواليب المشتعلة وحادثة الشياح الشهيرة والهجوم على الجيش اللبناني بحجة انقطاع التيار الكهربائي، ليضعنا في أجواء ما قد يأتي، تدمير كامل محطات الكهرباء في لبنان، في مقابل الانزعاج في إسرائيل بسبب انقطاع الكهرباء عن المواطنين لمدة ساعة في منطقة طاولها القصف، بصراحة هذا كلام يدفعنا الى احترام دولة العدو التي يعنيها المواطن في الدرجة الأولى، فيما لم يكلّف السيد حسن خاطره بأن يفكر للحظة في حجم خراب البيوت الذي سيجرّه على شعب لبنان وفداحة الخسائر على المعامل والمصانع وأصحاب المحال والمواد الغذائية واللحوم مثلاً، مليارات من الدولارات لا يرف له جفن إن تكبد اللبناني خسائرها!!
والتهديد – التباهي في معادلة عدد المطارات التي تمتلكها إسرائيل، والمطار ونص – بحسب تعبيره – في لبنان، أما معادلة قصف مطار بن غوريون، فنودّ أن نسأل كم صاروخ يحتاج مطار تل أبيب الى تدميره وكم ساعة قصف، فيما لا تحتاج إسرائيل الى أكثر من بضع طائرات وبضع دقائق لتدمّر مطار رفيق الحريري الدولي عن بكرة أبيه، وأخذ بدربه المرافئ، ومصافي النفط عندنا "اللي شي ماشي شي معطّل" في قمة اللامبالاة وعدم الاكتراث بالدمار الشامل الذي طاول في خطابه كل مؤسسات الدولة!! أما قمة الاستهتار بأرزاق اللبنانيين فكانت في تساؤله: لدينا بضعة مصانع فيما لدى إسرائيل مدن صناعية، إلى هذا الحد يستسهل السيد تدمير "جنى عمر" المواطن اللبناني، متجاهلا أن الصناعة في لبنان قائمة على مبادرات الأفراد، لكن ما هم حزب الله، فقد وعد وعودا كثيرة بالتعويض وبإعادة البناء في العام 2006 ولم يف بوعوده، بل وطالب بأن توضع أموال المساعدات العربية في يده ليقوم هو بالبناء للحلول محل الدولة…
الملاحظة الثانية: هي في حديثه عن نظرة حزب الله إلى لبنان القوي القادر على حماية نفسه – وهي بحسب نصر الله – تكمن في "الصيغة الإبداعية" التي تقول "بشعبه ومقاومته وجيشه"، الأمر الذي جعلنا نتساءل: "وين الدولة في هذه الصيغة الانفصامية" لوطن بثلاثة رؤوس، والأخطر من تغييب الدولة عن هذه الصيغة، محاولته عزل لبنان عن العالم كله عبر طرحه جملة أسئلة تهكمية حول ما إذا كانت "الولايات المتحدة الأميركية أو القرارات الدولية أو المجتمع الدولي أو الحياد" قادرون على حماية لبنان، ليخلص إلى القول: "لسنا بحاجة الى أحد في هذا العالم ليحمي لبنان"… وهذه عملية عزل حقيقية للبنان عن محيطه العربي وعن المجتمع الدولي، واستفراد تام له من قبل حزب الله يجعله تحت رحمة خياراته وارتباطاته، وهذا عزل نرفضه رفضاً كاملاً كلبنانيين…
أما الملاحظة الثالثة والأخيرة : فهي في تذكر حزب الدولة متى أرادها أداة لضرب كل من يخالفه الرأي، فقد طالب الدولة اللبنانية بما أسماه "موقف وطني" – وعدم اتخاذها يعني ضمناً خيانتها – لترد على ما وصفه بـ"كلام خطير جداً نسمعه منذ شهر في لبنان في مكان ضيق ومحدّد وليس ضمن قوى واسعة، والذي يقول إن وجود المقاومة في لبنان حتى لو لم تقم بأي شيء، يعتبر حجة كافية ليشنّ العدو حرباً على لبنان"، متجاهلاً عمداً أن هذا كلام شريحة كبيرة من اللبنانيين تطالب بوضع سلاح حزب الله بإمرة الدولة من ضمن استراتيجية دفاعية، حماية للبنان وشعبه، ولم يكن مفاجئاً أبداً أن ينزلق السيد نصر الله إلى لغة التخوين، فعقل حزب الله "ديكتاتوري" و"تخويني" على خطى الخطاب الإيراني، إما الصمت والخضوع والرضوخ لأوامره، وإما فالآخرين خونة متعاملين متآمرين، وعندما يعتبر أمين عام حزب الله أن الذين يقولون هذا الكلام: "منزعجون لأنه منذ حرب تموز حتى اليوم لم يحدث أي شيء على الحدود" ثم يحرك تهمة التخوين المعهودة متسائلا:"هل يجد البعض أن مشاريعه التي تبخرت في الآونة الأخيرة لا طريق لها إلا من خلال حرب إسرائيلية جديدة"، ثم يدعو إلى "الإقلاع عن هذا المنطق لأنه يعني أن هناك في الساحة اللبنانية مَن يراهن ويبرّر ويستدعي العدوان".
"إسمح لنا يا سيد"، ليس في لبنان من يستدعي عدواناً على بلده وشعبه، ولا أحد يرفع الصوت بالحرب والشوق إليها سواكم، أما الخائف على وطنه الداعي إلى حمايته من عدوانية العدو فليس خائنا، لأن "درهم وقاية يا سيد خير من قنطار صواريخ"، ونقبل أن يكون الحكم بيننا وبينك استفتاء للشعب اللبناني تحت إشراف جهة محايدة، يجيب فيه اللبنانيون على سؤال واحد: هل تريدون حربا جديدة على لبنان يخوضها حزب الله والعدو الإسرائيلي؟ ونظن أنك أدرى بجواب اللبنانيين بدءا من جمهور الضاحية الجنوبية انتهاء بأهل الجنوب الخائفين من الحرب مثل كل اللبنانيين، فهم أول الضحايا سقوطا وأهل أول المناطق تدميرا وتهجيراً..
حرام هذا العبث بأرواح ودماء وأعمار وأرزاق الناس وتدمير البلاد على رؤوس العباد، والسؤال الذي بودي أن أطرحه عليك: رسول الله (ص) لم يطلب ثأراً من كفّار قريش دماء سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عمّه وناصره، وقد قتل في معركة أحد ومثّل بجسده وشقّ صدره واستخرجت كبده لتلوكها هند بنت عتبة، فلا قتل هند ولا ثأر من "وحشي" الذي رماه برمحه القاتل عندما أمكنه الله منهما يوم فتح مكة، ففيم "دق النفير" هذا في كل يوم وتعريض البلاد للخراب تحت عنوان الثأر لاغتيال عماد مغنية، وماذا لو استخدم سواكم لغة طلب الثأر هذه بشهدائهم؟ أي أنهار من الدماء كانت ستجري في البلاد؟!