#adsense

الإقامة في الحرب الأهلية

حجم الخط

لم يترك إعلام المعارضة الممانعة حيزاً إلا وملأه بالتحليل الذي يفضي في خلاصة الى ان جمهور "14 آذار" قد انفض عن قادتها. وان الناس لم تنزل إلى ساحة الشهداء بالكثافة التي كانت تنزل إليها في السنوات السابقة.

آخر ما تفتق عنه الذهن الألمعي يقول: في 14 شباط حصل الطلاق البائن مع "14 آذار". حلو. منذ متى كان الذهن الألمعي المذكور يعترف بوجود "14 آذار"؟ أم انها استفاقة المحتضر؟ وإذ فاجأت كثافة المحتشدين في ساحة الحرية، انبرت اقلام القلقين لتفرق الحشد فرداً فرداً وقائداً قائداً. هذا ذهب وفاء للحريري الأب وليس حباً بالحريري الابن، وذاك ذهب مجاملة، وتلك اعتبرتهم فرصة للنزهة، فارتدت ثياباً مغرية ومكشوفة لا تليق بالمناسبة. وهذا السياسي حضر رفعاً للعتب، وذاك حضر ليقيس مدى جاذبيته.

والخلاصة ان كل هؤلاء الذين اجتعموا في ساحة احياء الذكرى، ليسوا من مناصري "14 آذار"، بل هم من مناصري 14 شباط. اي من الذين يعتبرون ذكرى الحريري الأب عامة وشاملة وتهم اللبنانين كلهم.

المختصر المفيد: تريد صحف المعارضة ان تقول ان الذين ذهبوا إلى ساحة الشهداء يوم 14 شباط 2010 هم من مناصري الرئيس نبيه بري.

مثل هذا التمزيق والتفريق له سوابق طبعاً. لكنها تقع، اي هذه السوابق، في مقدمات الحروب الأهلية ومتنها. إذ ما زال بعض اللبنانيين اليوم من اصحاب الخط الوطني يتغرغرون بالقول إن المسيحيين اللبنانيين مضللين لا يعرفون مصالحهم، وانهم لو ادركوا مصالحهم جيداً لالتحقوا بمن يدافع عن مصالحهم لا بمن يستغلهم وقوداً في حروبه الاهلية.

وهذا مما لا يخفى مستعار من أدبيات "الحركة الوطنية اللبنانية" التي مهّدت للحرب الأهلية اللبنانية، ولا غرو ان ما ذهب إليه امين عام "حزب الله" الايراني النشأة والنزعة السيد حسن نصرالله ناصحاً المسيحيين ومحذراً لهم من مصير مشابه لمصير مسيحيي العراق إذا لم يحسنوا اختيار الجهة التي ينحازون إليها، يغرف من الثقافة نفسها التي أسست لتلك الحرب الأهلية.

بل ويكاد المرء يجزم تأسيساً على هذا الخطاب واستطراداً على اساس التحليلات الصحافية الألمعية، ان هذا الفريق من اللبنانيين، الذي يفخر بكونه كتلة متراصة لا شقوق فيها، ما زال يعيش في الحرب الأهلية نفسها ولم يخرج منها إلى أي مكان.

ولا يظنن احد ان إقامة هذا الفريق في حضن الحرب الأهلية تلوي ذراعه نظرياً او عملياً. بل ان المجاهرة بالرغبة في استمرار الإقامة فيها ما زال يبدو غير قابل للمناقشة. لنقل ان الفريق الذي حضر جمهوره إلى ساحة الشهداء يصر فعلاً على حصر قرار الحرب والسلم في يد الدولة اللبنانية مجتمعة، أي في يد التوافق الوطني، الذي يحرص عليه اهل المعارضة ايما حرص حسبما يرددون: فما الذي يمنع الفريق المعارض من الاستجابة؟ ذلك ان مندرجات مثل هذا التوافق والإجماع لا يلغيان واقع ان السلاح سيبقى بيد المقاومة وأهلها.

جل ما قد يجعل هذا السلاح قابلاً للبحث والمناقشة لا يتعدى الحرص الوطني العام على عدم إعطاء اسرائيل ذرائع مناسبة للاستفراد بلبنان للمرة الألف. هل ثمة ما يعيب اهل المقاومة وسلاحها في هذا؟ أم ان المقاومة وأهلها يستعدون ويتحضرون للشروع في مترتبات احتمال آخر؟ وهذا أرجح، ذلك ان المطلوب ليس نزع سلاح "حزب الله" بل تنظيم عمله السياسي. وحيث ان اي حرب مقبلة ستكون شاملة كما يزعم الفريق المعارض نفسه، فإن ابسط البدائه تفرض ان يكون الدفاع شاملاً والسياسة متفق عليها.

لكن الفريق المعارض لا يريد ان يفلت قرار الحرب والسلم من يده، ذلك ان حروبه لم تكن دائماً دفاعاً عن لبنان. فماذا لو خطر على باله غداً او بعده ان يفتح حرباً في لبنان لحساب من هم خارجه؟ في هذه الحال يجدر به ان يحتفظ بالسلاح وطريقة استعماله.

اصلاً هو لم يكف مرة عن الاحتفاظ بالسلاح وطريقة استعماله، دع السلاح يفعل فعله، وسنجد له النظرية الملائمة. لا أرض تستوجب ان نحررها اليوم بالقوة، فلنجعل السلاح جزءاً من ثورة عالمية تهدف إلى هزيمة الاستكبار في كل مكان. وغداً إن بدا ان هذه المهمة غير متيسرة، فلم لا نستعمله للقضاء على اعداء الداخل؟ التهمة جاهزة والبيان معد سلفاً. فقط علينا ان ننتظر الساعة الصفر.

المصدر:
موقع الكتروني

خبر عاجل