منذ استقلال 1943 وما رافقه من حروب وثورات وأزمات، واللبنانيّون يسألون بيأس وقرف متى الخروج من هذه الدوامة التوافقيَّة، ومن نفق ميثاق الرياء والتكاذب، والانتقال الى مرحلة الدولة والمؤسسات والأنظمة والقوانين.
ومنذ ذلك اليوم حتى مساء الأربعاء ولبنان يتخبَّط في فولكلوريَّة التسويات، وبوس اللحى، والترقيع، والتأجيل، من غير أن يجرؤ مرة على خوض أيَّة مغامرة اصلاحيّة تكسر مزراب العين، وتتجاوز "مفهوم" الـ6 و6 مكررَّ، أو تشكٍّل "انقلاباً" ولو بحجم ابرة مهمتها حفر جبل التناقضات المستعصية.
الى ان كانت جلسة مجلس الوزراء الأخيرة التي فاجأت فقرة من مقرراتها الناس عن بكرة أبيهم، وجعلتهم يتساءلون باستغراب وترحيب من أين أطلت عليهم هذه الهزة السياسية الوطنيّة التي تفتح الابواب اللبنانية، والصيغة اللبنانيّة، والمواثيق اللبنانية، والكهوف الطوائفيَّة، ليمرّ عَبْرها موكب النسبية الى صفحات قانون الانتخابات.
ولو بصيغة مشروع أمامه الكثير والعديد من المراحل والصعوبات المطلوب تذليلها.
ولو بصيغة اقتراح.
ولو على سبيل التجربة.
وبموافقة إجماعية داخل مجلس الوزراء يجمع الماء والنار والبنزين وكل ما في وطن النجوم من تناقضات، واضداد، وطوائف، ودويلات ومربَّعات عصيَّة حتى على الهواء.
وطبعاً بقيادة الرئيسين ميشال سليمان وسعد الحريري وتشجيعهما. بل تبنيهما لخطوة تاريخية كهذه.
وإن يكن وسط أجواء لا تزال متأثرة ومعتلّة المزاج لمجرد طرح فكرة الغاء الطائفيَّة السياسية، ومن باب جس النبض، أو الدرس والتمحيص ليس إلاّ.
ليس مبالغة القول إن هذه المفاجأة – الهديّة التي قدمها سليمان والحريري للبنان والنظام والصيغة تستوي، بنتائجها وأهميتها ومفعولها، في مصاف "الانقلابات" السياسية الدستوريَّة والسلميَّة.
حتى لو تعرض مشروع القانون أو اقتراح القانون غداً، أو بعد بعد غدِ لمطبّات، ومفاجعات، ومقالب، ومكامن، من هذا الفريق السياسي أو ذاك الجانب الطائفي.
ما حصل مساء الاربعاء يمكن تأريخه، وتدوينه في خانة المتغيٍّرات الاصلاحية الأساسيَّة التي يفتقر اليها بلد كلبنان، تتحكَّم بنظامه ومؤسساته ودورته الحياتية والاقتصادية والاجتماعية شعوب وقبائل متصارعة، تنتمي في الولاء الضمني العميق الى ثماني عشرة طائفة.
انها الخطوة الاولى في مسيرة الألف ميل، والمرة الاولى التي تتقدَّم فيها الشجاعة والمسؤوليَّة والمصلحة الوطنية العليا على المحاذير والحساسيّات والطوائفيّات بكل ألوانها وتعدد ولاداتها.
والى حيث تمهٍّد بعد إقرارها واعتمادها، لاعادة النظر في الكثير من "الاملاءات" السياسيّة التي مرَّ عليها الزمن، واختراق الكثير من الممنوعات والمحرّمات والتابويات. برافو. والى مزيد من هذه المفاجآت السارّة. وإن من باب هزَّ الشجرة الطوائفية لا اقتلاعها. وان من باب التجربة.