هل قرأتم جيدا ما قاله رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي خلال محطات زيارته الرائعة للبنان؟ هل تمعنتم جيدا في كلماته وكانت مزيجا من السياسة والشعر، وقد قالها بكثير من الحماسة والصدق والايمان، وهو ما ذكّر الكثيرين بحرارة ديغول وشاعرية لامارتين؟
لوهلة بدا أن جيرار لارشيه لم يصل الينا من باريس، بل هبط من الأرز او من حراجل أو من بعلبك أو من أحد "جبال الصوان" الشاهقة.
صحيح أن الرجل خبير في الشؤون اللبنانية وأنه يزور لبنان للمرة الثامنة والثلاثين، كما كشف الرئيس نبيه بري الذي سأله المشورة لانقاذ لبنان من مرض الطائفية، ولكن الصحيح ايضا أن لارشيه تعمد صادقا على امتداد محطات زيارته أن لا يقدم المشورة بل ان ينشر "العدوى"، عدوى محبته القوية والجامحة للبنان واقتناعه الراسخ بقدرات أهله والفرص الثمينة المتاحة لهم. وهي عدوى نحتاج اليها كثيرا في الواقع.
لم يسبق أن زارنا مسؤول غربي وتحدث عن أهمية بلدنا بهذه الطريقة الواضحة والصادقة: "فخري كبر بالتزام فرنسا الى جانبكم، وسروري عميق بدعم فرنسا الكامل لاستقلال لبنان وسيادته ووحدة أراضيه".
هذا كلام فرنسي قيل في البلد الذي يتوق الى فخر الكثيرين من أهله باستقلاله ويفتقر الى سرور الكثيرين منهم بحريته وسيادته. لكن لارشيه لم يتردد لحظة: "أتيت لتجديد دعم فرنسا للبنان، هذا ليس مجرد كلمات. بالنسبة الى فرنسا ليست تعابير مستقل سيد موحد مجرد كلمات، نحن الى جانبكم ولكن من دون أن نتدخل".
وضع لارشيه عناوين بارزة ومهمة عندما قال ما معناه إن لبنان لا يمكن ان يكون دائما العنصر الوازن عند محور الصراعات. فلا هو فائض جغرافي كما قال اسحق رابين يوماً ولا هو خطأ تاريخي كما يرى الذين يعتبرون اتفاق سايكس – بيكو مؤامرة. والعلاقة بين الدول السيدة تتطلب ايمانا بسيادة الدولة وهذا أمر سيسمعه المسؤولون السوريون من رئيس الوزراء فرنسوا فيون.
ويذهب لارشيه الى أقصى الصراحة عندما يقول لوفد "حزب الله": "يعود الى الدولة اللبنانية الدفاع عن كل اللبنانيين وعن أي شبر من أراضي لبنان. هذا مبدأ دولة. نفهم الحساسية، لكن الدولة تأتي أولا".
اذاً الدولة أولا. ولبنان أولا، على طريقة سعد الحريري الذي يجعل من هذا شعارا. وقد خاطب لارشيه في السرايا مؤكدا الانخراط في الاصلاح والاستقرار والحداثة في اطار من الوحدة الوطنية التي ترسخ الدولة.
لكن لارشيه، الذي قال في غداء بري إن الوحدة اللبنانية هي أجمل تحية على الاطلاق نضعها على ضريح رفيق الحريري، نظر الى سعد الحريري في عشاء السرايا قائلا: "وجه لبنان يشبه وجهك، الشباب والتسامح والمشاركة والوحدة وإعلاء راية الدولة".
والمهم أن نصاب جميعا بـ"عدوى" لارشيه !