من غير المستغرب ان تجابه الاصلاحات التي اقترح الوزير زياد بارود ادخالها على قانون الانتخابات البلدية، برفض من بعض الوزراء، او بتأييدها ودعمها من وزراء اخرين، لأنه اصبح مألوفاً في لبنان بعد سنوات الحرب، وبعد فترة الوجود السوري، وبعد تغيّر الديموغرافيا في العديد من المناطق، وبعد نشوء حزب الله، والقدرة العسكرية والمالية والشعبية التي راكمها منذ تأسيسه في العام 1982، والتي لا يتمتع بمثلها اي فريق سياسي او مذهبي آخر على الساحة اللبنانية، بعد كل هذه التحوّلات الجذرية في البيئة اللبنانية، اعتاد اللبنانيون على الاختلاف بين بعضهم بعضاً حتى على أبسط الامور، لأن النظرة الى القضايا التي يواجهون لم تعد واحدة، فهي خليط من الفئوية والطائفية والمصلحية والعقائدية والاقليمية، والحزبية، وحلّ الحذر وعدم الثقة بين مكوّنات الشعب الواحد، ما ادّى في النتيجة الى عرقلة عمل الحكومات والوزارات والمؤسسات العامة وفي طليعتها مجلس النواب، ولهذه الاسباب تسطّح قانون الانتخابات النيابية في العام 2008 وتجوّف بانتزاع الاصلاحات التي اقترحتها الهيئة الوطنية برئاسة الوزير السابق فؤاد بطرس، وانتخب اللبنانيون في العام 2008 نوابهم على اساس قانون هرم يعود الى العام 1960، ولم يرَ فيه البعض ما يسيء، لأن لبنان ما زال حتى اليوم يطبق قوانين تعود الى الحكم العثماني او الانتداب الفرنسي.
* * * * * *
النسبية، والكوتا النسائية، والشهادات العلمية، وانتخاب رئيس البلدية ونائبه مباشرة من الشعب، هي بعض الاصلاحات التي اقترحها الوزير بارود، والكل أدلى بدلوه بهذه الاصلاحات سلباً او ايجاباً، انما التخوّف على غياب او ضعف التمثيل المسيحي في عدد من البلديات الكبيرة كبيروت وطرابلس، كان تقريباً موحّداً عند الوزراء المسيحيين في مقاربة اعتماد النسبية، وكان لافتاً ان معظم الذين قاربوا هذا الموضوع الحسّاس، لم يكن عندهم الاجوبة الكاملة الشافية حول فاعلية النسبية، وكلهم اكدوا على وجوب انتظار نتائج هذه التجربة الجديدة ليصبح ممكناً الحكم عليها في شكل نهائي، انما المهم بالنسبة الى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، ورئيس الحكومة سعد الحريري، ووزراء الرابع عشر من آذار، كان ضرورة اجراء الانتخابات في موعدها الدستوري، محافظة على مبدأ تداول السلطة، وهو مبدأ في صلب النظام الديموقراطي، ولاعطاء دفع الى عمل الحكومة التي لم تنطلق بعد بانطلاقتها المرجوة بسبب تكبيلها بشروط الديموقراطية التوافقية، وقد عجّل التكبيل في شيخوختها قبل ان تبلغ حتى سن الشباب، والاكثر اهمية في اجراء الانتخابات البلدية على قاعدة النسبية انها ستكون امتحاناً للنيّات الطيّبة حول حرص الافرقاء جميعاً على احترام صيغة العيش المشترك في البلدات والقرى المختلطة، لان استبعاد فريق عن المشاركة في ادارة بلدته والمساهمة في انمائها، سوف يكشف مدى خطورة الغاء الطائفية السياسية مستقبلاً، بحيث يمكن ان تسيطر على البلد سياسياً واقتصادياً وامنياً، الديموقراطية العددية التي تفرض على الآخر رأيها ونمط عيشها وتوجّهاتها السياسية والطائفية، خصوصاً ان الخلل الديموغرافي مستمر بقوة لمصلحة المسلمين، امّا عن طريق التجنيس العشوائي غير المتوازن، وامّا عن طريق الهجرة المتنامية لاسباب اقتصادية وامنية، مع الاخذ في الاعتبار ايضاً عامل الانجاب الذي هو امر طبيعي شرعي ومفهوم.
* * * * *
يبقى في نهاية البحث سؤال الوزير الصديق زياد بارود عن سبب عدم تضمين سلّة اصلاحاته اعطاء المقيمين في مدينة ما، او بلدة ما، منذ اكثر من عشر سنوات، الحق في انتخاب المجلس البلدي لهذه المدينة او البلدة، خصوصاً ان هؤلاء يدفعون ما هو متوجب عليهم للبلدية ويحق لهم ابداء رأيهم انتخابياً في مشاريع هذه البلدية، كالطرقات والبيئة والنظافة، وشؤون الماء والكهرباء والمدارس وغيرها من الخدمات التي يشاركون فيها سكان البلدة او المدينة الاصليين، وربما تكون مشاركتهم في الانتخابات البلدية خطوة متقدمة في ازالة الطائفية من النفوس قبل النصوص، وتحديد اقامتهم بعشر سنوات واكثر في مكان غير مسقط رأسهم، ينسجم مع القوانين التي تحدد لبنانية اي شخص بعشر سنوات اقامة، لتحق له المطالبة من حيث المبدأ بالجنسية اللبنانية.
المهم اولاً واخيراً عدم فرملة مسيرة العهد بوضع عصي تعطيل الاستحقاقات الدستورية.