كتبت منال شعيا في "النهار": للمرة الثانية، يدرج البند المتعلق بمشروع قانون تعديل المادة 21 من الدستور المتعلقة بخفض سن الاقتراع، في جدول اعمال جلسة تشريعية عامة. وللمرة الثانية ايضا، سيكون النواب امام سيناريو مشرّع على كل الاحتمالات التي تفتح الباب من جديد امام تجاذبات سياسية وردود.
صحيح انه في المرة الاولى وحّدت كارثة الطائرة الاثيوبية النواب فوضعتهم امام واقع مفروض، تأجلّت معه كل الاصطفافات السياسية، لكن الانقسام كان ولا يزال واضحا في المواقف لجهة خفض سن الاقتراع، وكان شبه مؤكد ان الجلسة الماضية ستكون في حكم المؤجلة نتيجة تطيير النصاب الذي كان متوقعا.
اليوم، وبعدما اعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري مرارا ان خفض سن الاقتراع لا يزال على جدول الاعمال، ثبّت موقفه في الدعوة الى جلسة عامة يومي الاثنين والثلثاء المقبلين، وعلى جدول اعمالها 35 بندا، ابرزها خفض سن الاقتراع وانتخاب اعضاء المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. فعلى ماذا سيرسو المشهد بعد ايام داخل قبة المجلس؟
المعلوم ان الجلستين المقبلتين ستكونان الاوليين في الدورة الاستثنائية التي فتحها بري وتستمر حتى 15 اذار المقبل، فيما النواب من مختلف الكتل البرلمانية يتحضرون ويرسمون سيناريو الجلستين، كل وفق اتجاهه.
ولا عجب ان بري المصمم على تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية، متمسك ايضا باعطاء الشباب حق الاقتراع، ويلاقيه نواب حركة "امل" الحريصون على تأمين النصاب في الجلستين.
واذا كان سبق لبري ان طرح ثلاثة مخارج لهذا المشروع، فانه بدعوته الى الجلسة، كمن سحب المخرج الثالث القائل بسحب الحكومة المشروع، بعدما ردّد مرارا ان كرة هذا المشروع موجودة في ملعب الحكومة. إلا أن الأخيرة ترفض في المقابل سحب المشروع، وسط معلومات تفيد بعدم دستورية هذه الخطوة، خصوصاً أن رئيسي الجمهورية والحكومة لن يسجلا على نفسيهما هذه السابقة.
امام هذا الواقع، بقي مخرجان: امّا انعقاد الجلسة وترك الخيار للنواب في منح الشباب الذين اتموا الثامنة عشرة حق الاقتراع او عدمه، وامّا المشاركة في الجلسة، وبعد الحصول على الاصوات المطلوبة، يؤجل مفعول خفض سن الاقتراع الى سنة 2013 مع السماح للمغتربين بممارسة الحق الانتخابي.
وليس خافيا ان بري وضع بند خفض سن الاقتراع في آخر جدول الاعمال، اي انه حلّ في البند الـ35، وتاليا قد لا يطرح في الجلسة الاولى، ربما افساحا في المجال امام "حركة اتصالات ومشاورات"، وكي يترجم "بالتفاهمات".
ووفق الدستور، فان النصاب القانوني لانعقاد جلسة عادية يتطلّب نصف النواب زائدا واحدا اي 65 نائبا، اما لاقرار اي تعديل لمادة دستورية، كما هي الحال في موضوع خفض سن الاقتراع، فان النصاب المطلوب هو أكثرية ثلثي اعضاء المجلس اي ما يوازي 86 نائبا.
الخطوة الدستورية الاولى
المطالبات بخفض سن الاقتراع ليست جديدة، وكان آخرها في 19 اذار 2009، قبل اربعة اشهر من الانتخابات النيابية، حين خطا مجلس النواب الخطوة الدستورية الاولى في تحقيق هذا المطلب باجماع 98 نائبا على اقتراح قانون تعديل دستوري لتعديل المادة 21 من الدستور. يومذاك شكل التصويت الاجماعي على الاقتراح اعلانا لبدء تطبيق الآلية الدستورية المعقّدة التي تستلزم عادة اشهرا تفوق الاربعة، وهي المدة التي كانت تفصل حينها عن موعد الانتخابات النيابية في حزيران الفائت. الا ان كل الاطراف السياسيين راعوا آنذاك الحسابات الانتخابية في الدرجة الاولى، ولم يكن في وسع اي منهم التغريد خارج السرب في مطلب يمس فئة شبابية على ابواب انتخابات.
يومذاك، قال بري: "انتظرنا الى الان لان المغترب سينتخب سنة 2013 ولا مبرر للشرخ الوطني عند اقرار هذا القانون الذي يقر خفض سن الاقتراع والذي سيعتمد ايضا في 2013".
وعقب الجلسة، كان وزير الداخلية والبلديات زياد بارود قد اوضح لـ"النهار" ان "التعديل الدستوري، وبعد اكتمال مراحله، يصبح نافذا فورا ولا يلحظ تاليا مهلا لنفاذه بما يسمح بانتخاب اصحاب هذه السن في الانتخابات البلدية السنة المقبلة"، مشيرا الى ان "هذا الموضوع يرتبط بلوائح الشطب التي يجري وضعها وتنقيحها، ويفترض ان تصبح اللوائح الجديدة جاهزة بحلول الشهر الاول من سنة 2010".
… ولكن، حلّ شباط 2010 ولا تزال هذه المادة "مادة" دسمة في نقاشات السياسيين، ولا شيء تبدّل. لا آلية اقتراع المغتربين انجزت، ولا خفض سن الاقتراع اقرّ، بل على العكس، بات التشكيك في اجراء الانتخابات البلدية نفسها موضوع الساعة، واصبح "اقرار الاصلاحات" في مهب الريح، وشباب الـ18 ينتظرون…
"سن الرشد"
سياسيا، جمع "سن الرشد" هذه المرة فريقي "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية"، وهما اذ يؤيدان في المبدأ حق الاقتراع للفئة الشبابية، فانهما يرفضان اقراره حاليا لاعتبارات "مسيحية"، ويربطانه باعطاء المغتربين حقهم في الانتخاب وباستعادة الجنسية للمتحدرين من اصل لبناني.
فعلى مقلب "تكتل التغيير والاصلاح"، لا يزال النائب العماد ميشال عون يسأل "كيف سنعطي هذا الحق لشبابنا، فيما حركة العمل الحزبي داخل الجامعات ممنوعة؟". وهو اذ يرفض اقرار خفض سن الاقتراع الان، يربطه باكتساب الانتشار اللبناني حقوقا سياسية اخرى في مختلف دول العالم.
وبعدما طالب الوزير جبران باسيل وعضو "التكتل" النائب الان عون بسحب المشروع، يرسم عون مشهد الجلسة المقبلة كالآتي: "اذا لم تسحب الحكومة المشروع، سنحدّد موقفنا داخل الجلسة".
هكذا، لا يزال "التكتل" على "تمنيه" بسحب المشروع، ويقول الان عون لـ"النهار": "لا نريد نكء الجروح، ولكن نقول للذين يعتبرون ان سحب المشروع غير دستوري، هل كان انتخاب رئيس الجمهورية دستوريا؟ نحن لدينا بعض الاعتبارات للرفض الان". ويقسم هذه الاعتبارات مستويين: الاول وطني والثاني تقني.
في الاول، يرى انه "لا يجوز التعاطي بانتقائية مع ملفات حساسة، بحيث يقر بعضها بسرعة، ويوضع بعضها الآخر المحق في الادراج، ومنها ملفات كحقوق المغتربين واستعادة الجنسية، ونحن نرفض التعاطي بمكيالين".
ويتحدث عن "ضرورة خلق جو مطمئن في شكل يوحي بأن الجميع شركاء في كل الملفات، وبأن بعضهم ليسوا مستهدفين في بعض الاقتراحات، وهذا الشعور لا بد ان يولد قبل طرح المشاريع".
لا يتحفظ "التكتل" عن مضمون الاقتراح، وانما عن طريقة التعاطي بسرعة، وعون يثير الناحية الثانية المتصلة بالمستوى التقني. ويوضح: "في موازاة اعطاء حق الاقتراع، لا بد من امكانات توعية"، مشتكيا من "الحصار في الوصول الى بعض الطلاب بسبب التواطؤ مع معظم ادارة الجامعات لمنع النشاط السياسي، فيما تنشط بعض الخلايا بشكل سرّي وتحت الطاولة". ولا يخفي ان "نظامنا لا يزال هشا، وان كل المحاولات لاعادة التوازن جرت عبر معارك طاحنة، لا سيما اننا خارجون من خلل كبير على كل المستويات، ولا يجوز طرح الملفات الحساسة بهذه السرعة، وانما في ظروف اخرى ثابتة". الموقف "العوني" ليس بعيدا من الموقف "القواتي"، وان يكن في موقف الاخير "رفض للتذاكي" في محاولة امرار المشروع، واستباق اجواء الجلسة.
يقول النائب انطوان زهرا لـ"النهار": "خفض سن الاقتراع مرحب به من كتلتنا، انما بعد اقرار آلية تسمح باقتراع المغتربين، لاسيما ان هذا الربط حصل عند التصويت على الاقتراح، ولن نقبل بامرار المشروع". واذ يشير الى "اللجنة المشتركة التي تألفت من قوى داخلية وخارجية ومن مؤسسات دولية لاقرار آلية لاقتراع المغتربين"، يتوقع زهرا الانتهاء من وضع الالية خلال ثلاثة او اربعة اشهر، ويجزم بعدم القبول بفصل الربط بين المشروعين خلال جلسة مجلس النواب.
اما "تيار المستقبل" فلا يهمل "مبدأ المناصفة"، وهو تاليا يرفض القول ان الربط بين خفض سن الاقتراع وحق المغتربين بالانتخاب، هو تأجيل للمشكلة، وانما "احد المخارج الممكنة".
"بصراحة" يقول النائب عمار الحوري ان "خفض سن الاقتراع يؤدي الى خلل طائفي، ونحن حرصاء على العيش المشترك. صحيح اننا فريق سياسي تشكل الغالبية فيه الطائفة السنية، الا اننا لن نقبل الانتقاص من قدرة الشريك المسيحي وما يمثل من طموحات". ويضيف انه "حين حظي الاقتراح بالاجماع، ربط يومها بحق المغتربين بالانتخاب، على ان ينفذ بدءا من سنة 2013"، ويعتقد ان "النقاش في الجلسة المقبلة سيركز على ايجاد آلية للربط بين المسألتين"، معتبرا ان "هذا الربط يشكل حلا جيدا، اذ ان حركة امل طرحته، وقبلها ايضا حزب الله، بينما تيار المستقبل لا يرفضه".
و"المستقبل" يصر على "عدم تأجيل الانتخابات البلدية تحت اي ذريعة"، ويشير حوري الى ان "السماح للمغتربين بالاقتراع يتطلب توافر آلية دقيقة، وانتخاب شباب الـ18 يتطلب لوائح شطب جديدة، مما يجعل امر تأجيل خفض السن الى 2013 ملحا".
هذه التسوية يراها حوري "الاقرب الى المنطق"، مشددا على ان "هذا الحق هو مطلب كل اللبنانيين".
"حزب الله": لا امكان للربط
الا ان نظرية الربط مرفوضة لدى "حزب الله"، في مقابل نظرية واضحة في هذا المجال يعبر عنها النائب حسن فضل الله بقوله لـ"النهار": "نحن امام تعديل دستوري، وبالتالي فان مشروع القانون هذا الوارد من الحكومة بناء على اقتراح المجلس، يتمتع باستقلالية تامة، لكونه تعديلا دستوريا ومشروعا مستقلا يرتبط بحق الشباب في اختيار ممثليهم الى الندوة البرلمانية، وفي كل الميادين، سواء أكانت بلدية ام نيابية".
ويؤكد ان "المشروع مستقل ولا يمكن ربطه بأي أمر آخر"، ولكنه يفسح في المجال امام وضعه موضع التنفيذ: "اذا كان التعديل يتطلب وقتا ليبدأ التطبيق في انتخابات 2013، فلا مانع عندنا".
ويرد فضل الله على النواب الذين يتسلّحون بمحضر جلسة مجلس النواب التي اقر فيها الاقتراح ويربطونه بحق المغتربين، فيخالفهم الرأي قائلا: "محضر الجلسة موجود، ولا رابط بين الامرين، ان كان على المستوى الدستوري او القانوني. المشروع اقرّ بالاجماع في الحكومة وفي مجلس النواب. لم يكن هناك اعتراض، بل كان محل توافق لدى الجميع".
موقف "حزب الله" موحدّ كالآتي: "اذا عقدت الجلسة وجرى التصويت على القانون فنحن مع"، لكن فضل الله يرفض الخوض في تكهنات او تصورات مسبقة لسير الجلسة، وهو اذ يتفهم موقف "تكتل التغيير" من الموضوع، انطلاقا من "احترام خصوصية كل كتلة"، لا يرى امكانا لايجاد آلية للربط بين حق المغتربين وخفض سن الاقتراع، معلّقا: "من يدعو الى الربط. يتحدث عن رابط سياسي وليس قانوني. التعديل الدستوري مشروع مستقل ولا يمكن ربطه".
اذاً، بعد ايام، يشهد المجلس جلسات تشريعية، ولكل بند ظروفه ونقاشاته. وعادة تأخذ نقاشات اقتراحات القوانين وقتا اطول من المشاريع المحالة على اللجان النيابية المشتركة، كونها تمر بسهولة امام الهيئة العامة. ولكن هذه السهولة لن تحجب بالطبع الكثير من المفاعيل والارتدادات السياسية، وخصوصا لجهة خفض سن الاقتراع.