#adsense

«استدعاء الحرب»

حجم الخط

أثناء حرب تموز الإسرائيلية على لبنان عام 2006، قال الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله رداً على الذين اتهموا الحزب بأنه افتعل الحرب لمصلحة المحور الإيراني – السوري في حينه بالقول: لماذا لا نعتبر أنها حرب أميركية – إسرائيلية من أجل إضعاف المحور السوري – الإيراني وحلفائه؟

وكل الدلائل كانت تشير في حينه الى أن قراءة السيد نصرالله لهذه الحرب وخلفياتها كانت صحيحة، كذلك الوقائع التي أعقبت الحرب، بصرف النظر عن إخضاع خصومه في ذلك الوقت قراءتهم لعوامل الخلاف الداخلي مع الحزب وسورية. فإدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش وإسرائيل، كانتا تريدان الهروب من المأزق الذي وقعت فيه واشنطن – المحافظين الجدد، في العراق، الى حرب أخرى. على الأقل كان هذا أحد العوامل التي دفعت أميركا وإسرائيل الى خوض المغامرة ضد لبنان و «حزب الله» فيه، بنية إضعاف إحدى الأوراق الإيرانية – السورية في المنطقة، في خضم الصراع الذي كان دائراً، بعد اجتياح الجيوش الأميركية العراق، وخيبتها من فشل نظرية «الدومينو» التي كانت تنتظر تطبيقها لجهة التغيير في أنظمة المنطقة ودولها.

والأرجح، في ظل الحديث الذي يملأ الأثير منذ أشهر، وتتداوله الغرف الديبلوماسية والدولية المغلقة، عن تهديدات إسرائيلية بالحرب على لبنان وحكومته و «حزب الله»، أن القاعدة نفسها هي التي يمكن أن تتحكم بقراءة احتمالات هذه الحرب المفترضة. فحسابات هذا الافتراض يمكن أن تستند الى حاجة الولايات المتحدة وإسرائيل الى حرب بديلة من الحرب على إيران في المواجهة معها حول ملفها النووي وامتداد نفوذها الإقليمي، يكون لبنان مسرحها، نظراً الى الكلفة العالية للحرب الكارثية على إيران.

والأرجح أيضاً أن هذه الحرب البديلة مستبعدة، كما يقول غير مرجع محلي وإقليمي ودولي، و «حزب الله»، لأسباب عدة بينها أن واشنطن تفضل الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار في المنطقة للتفرغ لفرض عقوبات على طهران، ولأن هذه الحرب لن تكون نزهة وستكون مكلفة لإسرائيل وفقاً لما هدد به السيد نصرالله في سياق توازن الرعب الذي أحدثه خطابه الأخير ومواقفه السابقة المستندة الى جاهزية صواريخ الحزب ومقاتليه، فضلاً عن أن وحدة الموقف اللبناني في أي مواجهة مع إسرائيل، التي أبلغها رئيس الحكومة سعد الحريري الى دوائر دولية عليا عدة نقلت إليه مخاوف من مغامرة إسرائيلية، هذه الوحدة تشكل أيضاً عنصراً رادعاً لأي مراهنة إسرائيلية على انقسام الموقف الداخلي كأحد أهداف الحرب.

ومن المؤكد أيضاً أن السيد نصرالله لا يريد هذه الحرب. فهو حكماً لا يريد أن يضع نفسه في موقع تكرار ما قاله بعد حرب تموز عن: أنني لو كنت أعلم أن خطف الجنديين الإسرائيليين سيتسبب برد الفعل الذي حصل لما قمنا به. فهو يدرك حجم ما أصاب لبنان، وما يمكن أن يصيبه في حرب جديدة، بل على خصوم السيد نصرالله أن يدركوا أن كل هذه الجاهزية المتطورة لدى الحزب منذ عام 2006 هي في الحقيقة للحؤول دون هذه الحرب لأنه لم يعد باستطاعة العدو أن ينفذ عدواناً على لبنان (وسورية) ساعة يشاء…

لكن السياق الإقليمي الذي سبق لـ «حزب الله» أن وضع الحرب في إطاره العام 2006 والذي ما زال قائماً لمناسبة الحديث عن الحرب الآن، ليس حجة كافية لرفض السيد نصرالله دعوة البعض الى عدم إعطاء الذرائع لإسرائيل. وإذا صح أن السياق الإقليمي لقرار الحرب يعفي إسرائيل من الذرائع، فإن هذا السياق نفسه يجعل الحرب لا علاقة لها بجاهزية المقاومة لتحرير مزارع شبعا وغيرها… مثلما أن الحرب في 2006 لم تكن رداً على أسر المقاومة جنديين إسرائيليين، بل أبعد من ذلك بكثير. والوقائع التي لا رد لها تفيد بأن السيد نصرالله تلقى رسالتين واضحتين وقاطعتين في العام 2006 تحذران من عدم إعطاء إسرائيل أي ذريعة للقيام بأي حرب.

والسياق الإقليمي نفسه لافتراض الحرب، يجعل من اتهام السيد نصرالله بعض من يقولون إن وجود المقاومة (بسلاحها المستقل عن الدولة) بحد ذاته حجة لقيام إسرائيل بالحرب، بأنهم يعملون على استدعاء الحرب، اتهاماً يقزّم البعد الإقليمي لهذه الحرب، فلا أحد سيقتنع أن إسرائيل ستشنها بناء لاستدعاء محلي في ظل القراءة السابقة لتبريراتها. وهو اتهام، مهما كانت تبريراته، يستعيد لغة التخوين التي ظهرت بعد حرب تموز، لتبرير استدارة الحزب الى الداخل اللبناني في سياق تصاعد الانقسام اللبناني. فهل ان هذا الاتهام يخدم إطار التضامن الوطني القائم حالياً، أم انه يبرر للذين يتعرضون له في المقابل أن يسألوا إذا كان حديث الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد عن أن إسرائيل تهيئ للحرب «في الربيع أو الصيف لكن المقاومة ودول المنطقة ستسحقهم»… هو استدعاء إقليمي للحرب؟

المصدر:
الحياة

خبر عاجل