مطالبة بعقد طاولة الحوار للبحث في الأخطار المحتملة
دول المنطقة تواجه خيارات صعبة حيال إيران
ترى أوساط سياسية وجوب انعقاد طاولة الحوار الوطني في اقرب وقت، ليس للبحث في الاستراتيجية الدفاعية وإنما للبحث في امكان تجنّب الحرب والاخطار المحتملة في المنطقة، لان دولها تواجه خيارات صعبة عليها ان تختار منها الاقل ضررا، خصوصا على مشارف انعقاد مجلس الامن للبحث في العقوبات على ايران، وان جولة مساعد وزيرة الخارجية الاميركية وليم بيرنز في المنطقة هدفها الوقوف على رأي هذه الدول في مسألة العقوبات، ولبنان كونه عضوا غير دائم في مجلس الامن قد لا يستطيع اتخاذ موقف منها ما لم يكن مؤيَّدا من سوريا، لذا طلب المسؤول الاميركي من دمشق دعم لبنان لتأييد العقوبات، وأرفق هذا الطلب بالقول في تصريح للصحافيين ان تعيين سفير اميركي في دمشق "اشارة واضحة تبين ان الولايات المتحدة مستعدة لتحسين علاقتها مع سوريا والتعاون معها لإحلال سلام عادل وشامل بين العرب واسرائيل".
وتحدث بيرنز عن "محورية" الدور السوري في المنطقة، معتبرا ان سوريا "تضطلع بدور مهم في الشرق الاوسط، وان هذه هي اللحظة التي يمكن كلاً من سوريا والولايات المتحدة، على رغم الاختلافات، اكتشاف طرق جديدة للتعاون من خلالها وتطوير علاقاتهما بما يخدم البلدين". واكد الرئيس السوري بشار الاسد من جهته "اهمية دور اميركي في عملية السلام يكون داعما للدور التركي وضرورة اتخاذ واشنطن سياسات تدفع اسرائيل للقبول بمتطلبات السلام".
ويذكر ان الرئيس الاسد كان قد اعلن انه لن يتعاون مع الولايات المتحدة الاميركية على مكافحة الارهاب الا بعد ان تعيّن سفيرا لها في دمشق، وقد تم تعيينه، وهو روبرت فورد. واللافت ان منسق مكافحة الارهاب في وزارة الخارجية الاميركية دانيال بنيامين شارك في المحادثات بين المسؤول الاميركي والرئيس السوري، واللافت ايضا ان بيرنز هو مهندس الاتفاق الذي ساعد في عودة الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي الى الساحة الدولية، وهذا يطرح تساؤلا عن المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، وهل تتم معالجة هذه الجريمة على الطريقة التي تمت بها معالجة طائرة لوكربي؟!
ونظرا الى دقة الوضع وخطورته في المنطقة، ترى الاوساط نفسها ان موضوع العقوبات على ايران ينبغي ان تتخذ الدول العربية مجتمعة في قمة ليبيا موقفا منه لا ان تتخذ كل دولة بمفردها موقفا تتحمل نتائجه، كي يستطيع لبنان كممثل للمجموعة العربية في مجلس الامن اتخاذ موقف بالاستناد الى موقف عربي وليس الى موقف لبناني فقط، مع ان هذا الموقف العربي لن يكون واحدا في قمة ليبيا.
الواقع ان الوضع في المنطقة بلغ من الدقة والخطورة ما يفوق الوضع الذي سبق الضربة العسكرية للعراق، لان الخلاف العربي حيال تلك الضربة لم يكن كما هو اليوم بالنسبة الى ايران. فهناك دول عربية تؤيد اتخاذ عقوبات ضد ايران اذا لم تتجاوب مع دول الغرب في موضوع برنامجها النووي، حتى ان في داخل عدد من الدول العربية انقساما حول الموقف من موضوع العقوبات ولاسيما في الدول التي لإيران نفوذ فيها وهو ما يجعل الاجتماع العربي على اي مستوى يفجر الخلاف بين من يؤيد العقوبات وبين من يعارضها، لاسيما لبنان، كونه في وضع سياسي وامني هش، والحكومة فيه حكومة تضم فريقين مختلفين ويصعب التوافق على اتخاذ موقف من العقوبات لئلا تنفجر من الداخل.
والسؤال المطروح الآن هو: كيف السبيل الى الخروج من مأزق الخيارات الصعبة التي تواجهها دول المنطقة بالنسبة الى ايران؟ فلا هي متفقة على اتخاذ عقوبات ضدها استجابة لطلب دول الغرب، ولاسيما منها الولايات المتحدة، وفي حال فرضت، ايا يكن موقف دول المنطقة، فانها تخشى ان تشعل حربا مدمرة فيها، واذا تركت ايران وشأنها في المنطقة وظلت تعمل على انتاج الطاقة النووية، فإن دولا في المنطقة تُعرف بدول الاعتدال تصبح مهددة بالمد الايراني الذي قد يغيّر وجه المنطقة، كما اعلن الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، او ان من يسيطر على المنطقة يسيطر على دول العالم، كما اعلن الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد، وهو يقصد السيطرة على منابع النفط شريان حياة الدول الاوروبية.
لذلك، فان العقوبات على ايران قد تفجر حربا تدمر المنطقة ويخشى ان تكون نتائجها كحرب البلقان في الماضي، وترك ايران وشأنها يجعل خطر الثورة الايرانية يمتد الى خارج حدودها فيهز عددا من انظمة المنطقة. فهل من حل وسط لا يموت فيه الذئب ولا يفنى الغنم؟
يقول مصدر حكومي ان المساعي التركية والروسية اذا لم تتوصل الى نتيجة فإنها قد تشتري الوقت لتأخير المواجهة، وان هذه المساعي لا تقتصر على معالجة موضوع البرنامج النووي الايراني، بل تتناول بصورة جدية الدعوة الى عقد مؤتمر دولي للسلام برعاية روسية وموافقة اميركية، وان انعقاد هذا المؤتمر لن ينتهي الى قرارات كما حصل في مؤتمر مدريد فظلت من دون تنفيذ لان اسرائيل كانت ترفض حضور هذا المؤتمر ثم عادت ورضخت يومئذ للضغوط الاميركية، لكن رئيس وزرائها اسحق شامير لم يشأ بعد المؤتمر الا ان يعبر عن حقيقة نياته فقال في تصريح له ان هذه القرارات يحتاج البحث لتنفيذها الى اكثر من عشر سنين، وقد صح ما توقعه لا بل فاقت المماطلة الاسرائيلية في التوصل الى اتفاقات سلام مع دول المنطقة هذه المدة.
ويضيف المصدر نفسه، بحسب معلوماته او تحليلاته، ان اسرائيل ومعها دول المنطقة سوف توضع خلال المؤتمر الدولي المتوقع الاتفاق على عقده خلال الربيع المقبل، وربما في ايار، بين خيارين: إما الحرب، التي قد لا يخرج احد منها منتصرا لكنها تنتهي، بعد الدمار والخراب، بالجلوس الى طاولة الصلح، وإما السير جديا في مفاوضات السلام على كل المسارات الباقية تنفيذا للقرارات التي ستصدر عن المؤتمر، اذ ليس سوى تحقيق هذا السلام ما يبعد خطر الحرب عن المنطقة، فتأخذ مكافحة الارهاب منحى جديدا وفاعلا، ويتوقف سباق التسلح العام والخاص، وتتحول كل الدول نحو تنفيذ المشاريع الانمائية التي ترفع مستوى معيشة شعوبها وتحسن اوضاعها الاجتماعية، وتقضي على الفقر والقهر وهما من اسباب ازدهار الارهاب وانتشاره.