أي رسائل وراء اتصالَيْ نجاد؟ وفي خانة مَن ؟
طهران تقلب معادلة مساعدتها إلى مساعدة لبنان
لم تفصل 24 ساعة بين زيارة وكيل وزارة الخارجية الاميركية للشؤون السياسية وليم بيرنز لدمشق وطلب الرئيس السوري بشار الاسد منه دعم الولايات المتحدة، وفق ما نقلت الوكالة السورية للانباء، "للدور التركي في عملية السلام"، واتصال هاتفي اجراه الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد بالامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله مشددا "على وجوب ان يكون الجهوز على مستوى ازالة الصهاينة من المنطقة والتخلص منهم الى الابد"، واتصال آخر بالرئيس ميشال سليمان مؤكدا وقوف طهران الى جانب لبنان، كما نقل عنه. وهذه مفارقة ليست الاولى تميزها دول عدة بين موقفي سوريا وايران على نحو متقارب في تطورات معينة، اذ يدخل في هذا الاطار العمل لدى دول غربية عدة على محاولة تعزيز هذا التمايز بين البلدين من خلال محاولة الدفع في اتجاه عودة المفاوضات غير المباشرة بين سوريا واسرائيل بحيث يحرج هذا الامر طهران في العمق ويثير نقزة "حزب الله". ولا يمكن القول ان التقارب الاميركي السوري لا يثير الخشية لدى طهران في هذا التوقيت بالذات، اي تزامنا مع تحسين العلاقات الاميركية مع سوريا واغرائها بالمزيد، مع ما يتطلبه ذلك من مقابل من سوريا ازاء هذه التقديمات، لان الولايات المتحدة على الاقل ان لم يكن الغرب كله، باتت اكثر وعيا في التعامل مع سوريا ولم تعد تدفع لها نقدا او ودفعة واحدة بل بالتقسيط وعلى نحو تشجيعي ولقاء مقابل. وهذا المقابل يفترض ان يظهر قريبا، خصوصا ان سوريا لا يمكنها ان تخاطر بتدهور علاقتها مع الولايات المتحددة مجددا وهي ترغب في ازالة كل العقوبات الاميركية المفروضة عليها.
وهذه التطورات تبدو متسارعة في مقابل استمرار الضغوط المتزايدة على طهران يوما بعد يوم على ألسنة رؤساء الديبلوماسية لدى الدول الكبرى المعنية، بما يوحي على نحو شبه اكيد ان ايران باتت امام امر واقع لا مفر منه، وبموافقة الدول الكبرى من بينها روسيا وحتى الصين، باعتبار ان الاخيرة توازن بقوة راهنا بين مصالحها مع طهران وتلك التي لها مع الولايات المتحدة، في ظل احتمال انفرادها دون سائر الدول الكبرى، اي روسيا بالامتناع او رفض العقوبات. وهذا الامر الواقع يزيد فرص فرض عقوبات جديدة على طهران ما لم تعدل الاخيرة موقفها، باعتبار ان هذه هي الرسالة الاساسية التي يود المجتمع الدولي الحصول عليها من ايران، وهو امر لا يستبعد كثر حصوله، اي ان تعدل طهران موقفها في اللحظة الاخيرة اذا استطاعت ان تحظى بصفقة تتعدى الملف النووي وتشمل جملة مسائل تتعلق بدورها في المنطقة وفق ما يقول البعض. وتاليا، فإن التساؤل الاساسي في هذا الاطار هو: لمن كانت الرسالة موجهة عبر الاتصالين اللذين اجراهما الرئيس الايراني؟ لسوريا ام للغرب ام للداخل اللبناني بمن فيه جمهور "حزب الله"؟
وفسّر مراقبون اتصال نجاد بكل من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والسيد نصرالله بانه اعطاء الاشارة الى الدول الغربية في معرض تجميع الاوراق الايرانية في مواجهة الضغوط الغربية المتزايدة على ايران في شأن ملفها النووي من حيث الايحاء ان لبنان ورقة في اطار تجميع الاوراق، فضلا عن العمل على نحو استباقي ضاغط على الدولة اللبنانية في شأن التصويت المقبل على اي قرار يتخذه مجلس الامن في موضوع العقوبات. والواقع ان الكلام السياسي عن وقوف ايران الى جانب لبنان يفترض حكما ان يبادلها لبنان بالمثل بوقوفه الى جانب طهران. وهذا الامر يسري على موقف لبنان في مجلس الامن بعدما بات عضوا غير دائم فيه، وسيكون عليه ان يبدي موقفه ما لم يكن اللجوء الى خيار آخر هو الجهوز الذي تحدث عنه السيد نصرالله، علما ان نجاد يعرف جيدا ان لبنان لا يمكن ان يتخذ في مجلس الامن سوى الموقف الذي تعتمده الدول العربية ايا يكن هذا الموقف.
وتاليا، فان اتصال نجاد يفيد من حيث مغزاه بأمور عدة هي ما يتضمنها عادة كلامه او ما يوحيه، لجهة ان ايران دولة عظمى كما يقول ولها في المنطقة امتداداتها وتأثيراتها التي لا يمكن تجاوزها. لكن الرسالة الاهم وفق ما رأى هؤلاء المراقبون هي في انه يحاول ان يقلب المعادلة ازاء الحرب مع اسرائيل من حيث السعي الى دحض المفهوم القائل بانه اذا قامت اسرائيل باعتداء على ايران فان "حزب الله" سيساندها من لبنان، وتاليا فان لبنان ربما يدمر مجددا نتيجة الدفاع عن ايران من خلال ساحته. والمفهوم الجديد الذي يحاول نجاد اعطاء المؤشرات حياله هو ان ايران الى جانب الحزب والى جانب لبنان تعضدهما في اي حرب مقبلة مع اسرائيل، وليس العكس، بمعنى ان ايران ليست هي التي تشكل عبئا على "حزب الله"، بل العكس هو الصحيح. ووفقا لبعض المراقبين فان هذا الكلام يسعى الى تخفيف وطأة الخوف من دخول الحزب على خط الحرب دفاعا عن ايران وملفها النووي، الامر الذي يؤثر على مناصري الحزب وعلى اللبنانيين عموما باعتبار ان لبنان لن يرغب في ان يكون ضحية او ساحة لحرب بالواسطة تجرى على ارضه او تبدأ منها، يقوم بها "حزب الله"، او على الاقل ان المعادلة الجديدة التي يقول بها نجاد هي ان بعضنا يقف الى جانب البعض الآخر.