ليس أدلّ على المأزق الذي تعيشه الحكومة حيال الاستحقاق البلدي، سوى الوحي الذي نزل على اعضائها بعد خمس جلسات شهدت مناقشات وتجاذبات بإقرار النسبية في الانتخابات البلدية، والطلب من وزير الداخلية زياد بارود التقدم الى مجلس الوزراء في جلسة يعقدها في السابع والعشرين من الجاري بمسودة أخيرة لمشروعه الاصلاحي، كي يقرر المجلس في ضوئها اما الإقرار والسير في المشروع وفق الآليات الدستورية اي احالته الى المجلس النيابي ليأخذ طريقه الى اللجان النيابية المختصة قبل عرضه على الهيئة العامة، واما تأجيل البت فيه الى جلسة سابعة وربما ثامنة، واما صرف النظر نهائياً عنه واعلان تمسك الحكومة بإجراء الانتخابات البلدية في موعدها المقرر سابقا في أول من حزيران المقبل اي بعد ثلاثة اشهر من تاريخه.
وهناك من يضيف احتمالاً رابعاً وهو اعلان الحكومة بطريقة او بأخرى عن تأجيل ثانٍ للانتخابات قد يكون اوائل الخريف او الربيع من العام المقبل، وان كان هذا الاحتمال ضعيفا جدا لانه يظهر عجز هذه الحكومة عن اجراء الانتخابات البلدية الامر الذي يفقدها حتى مبرر وجودها، ويجعلها عرضة لانتقادات لاذعة من كل شرائح المجتمع اللبناني، فضلا عن الاذى الذي يلحق بسمعة العهد الذي لم يتمكن حتى الآن وبالرغم من مضي سنتين على الولاية من تحقيق اي انجاز حتى على صعيد ملء الوظائف في الادارات والمؤسسات العامة التي أكلها الاهتراء، والفساد كما يجمع على ذلك كل اللبنانيين والمهتمين في الشأن العام.
لا يختلف اثنان على ان الحكومة مربكة وتعيش مأزق الاستحقاق البلدي، وهي تعرف ان النسبية التي هي في الاساس مطلب وطني، لانها تحقق صحة التمثيل، يتعذر تمريرها في المجلس النيابي الذي يمثل طبقة اعتادت على الامساك بالسلطة وادارتها وفق مصالحها الخاصة، ولا أدلّ على ذلك من مشروع القانون الذي اقترحته لجنة فؤاد بطرس ولم ير النور لانه اكد على النسبية في الانتخابات النيابية، وما دامت الذهنية التي تدير وتتحكم هي ذاتها التي رفضته، فهي حتماً سترفض النسبية في الانتخابات البلدية حتى لا تشكل ممراً الى النسبية في الانتخابات النيابية.
وإذا تجاوزنا هذا السبب كفرضية، فإن المدة الفاصلة عن موعد إجراء الانتخابات البلدية لم تعد كافية لانجاز درس المشروع الاصلاحي في اللجان النيابية ومن ثم في الهيئة العامة لمجلس النواب ومن ثم اقراره ليصبح نافذاً يعمل به في الانتخابات المقبلة وهذا قد يعطي الحكومة والمجلس النيابي الذريعة للتأجيل الا اذا التزمت الحكومة بقرار الاجراء في الموعد المحدد سواء اقرت الاصلاحات او على اساس القانون القديم.
اللبنانيون يريدون الاصلاح الانتخابي لكن ليس على حساب تجديد الحياة البلدية وتداول السلطة والتغيير، وعلى الحكومة ان تخرج من هذه الدوامة المأزق، وتطلق آلية اجراء هذه الانتخابات بمعزل عن مصير المشروع الاصلاحي، لتثبت انها وجدت لتعمل وتصلح لا لتدير ازمة.