ثابتتان فقط لم تتغيرا في جبل الشوف منذ "المصالحة التاريخية" عام 2001 هما: بكركي والمختارة، طرفا العقد الجديد بين الموارنة والدروز، والطائف ناظم عقد الجمهورية، وكل ما عدا ذلك متغير ومتحرك.
بحلّه مع 14 آذار وبترحاله عنها، لم يخرج الزعيم وليد جنبلاط عن هاتين الثابتتين، لا مع حلفائه القدامى ولا مع مشاريع حلفائه الجدد. كذلك فعل حلفاء الامس في صوغ العلاقة المعقدة مع من كان حتى تموز 2009 احدى القاطرات الكبيرة لقوى الغالبية.
صدمت الثابتتان بقوة صلبة امام أنواء الانعطافة الجنبلاطية المؤلمة والمكلفة، فنجت المصالحة التاريخية ولم تلتحق على الاقل بأثمان المتغيرات وبأكلاف مسارب الانفتاح المتعدد الجانب، داخلياً وسورياً. حتى انها اتسعت أخيرا للرافد العوني مع كل ما يثيره من تعقيدات اضافية. فلم يسع رئيس "اللقاء الديموقراطي" الا ان يقرن ترحيبه بالعماد ميشال عون في المختارة وبيت الدين بالتذكير ذي الدلالة المعبرة بالزيارة التاريخية للبطريرك صفير وارسائها المصالحة.
ولكن الشوف لم يعد "كميل وكمال". ولم تكن حاله كذلك بين جنبلاط الابن وقوى 14 آذار المسيحية، "القوات اللبنانية" والكتائب والاحرار، ولن تكون كذلك بطبيعة الحال بينه وبين العماد عون. في الضفة الجنبلاطية نفسها ارتفعت نذر معارضة مسيحية من داخل "اللقاء الديموقراطي" للزيارة العونية تدلل على "تعددية" لم يتخل عنها جنبلاط رغم بلوغ انعطافته مشارف القطع مع الغالبية. وفي الضفة المسيحية لا يختلف الشوف عن اي منطقة اخرى تعكس تفاعلات توازن القوى بين الكتلتين المارونيتين المكرستين في انتخابات 2009. واذا كان من دلالة رمزية ابعد من احتجاج الاحرار مباشرة على الزيارة العونية لمدافن العائلة الشمعونية فهي ان الخلاف المسيحي اضحى اعمق من انقسام، بل هو بدوره صراع خيارات وطنية عريض يبدأ بالتنافس التقليدي في القرى والبلدات والمدن ولكنه يضرب عميقا في السلطة والمكامن الابعد حتى في المشاريع للدولة والعلاقة مع المحيط.
هكذا حصل اصلا مع الزعيم الدرزي الذي لولا تمدد 7 ايار الى ساحل الشوف وعاليه واعالي مرستي، لما كان على الارجح انقلابه السياسي على 14 آذار غداة الانتصار الانتخابي المدوي لقوى الغالبية. بذلك تنجلي صورة متغيرات بنيوية جديدة اقتحمت الشوف ولو لم تبدله بعد ديموغرافياً وسياسياً بالكامل.
هي معادلة الشريكين السني والشيعي العملاقين اللذين يحضر الاول منهما بثقل كتلة كبيرة تدين بالولاء المباشر لتيار "المستقبل" في اقليم الخروب وتحتم ضرب الاخماس بالاسداس حيال اي افق مختلف لتحالفات سياسية او تموضعات جديدة، فيما يثقل الشريك الثاني بتأثيره الساحق على مجمل المسار الداخلي والاقليمي الذي لا يمكن معه عزل هذا التأثير عن اي تطور حتى لو كان مسيحيا – درزيا صرفا.
لقد انقضت فعلا ايام الثنائيات في لبنان، ولم تعد تستقيم لا بالزعامات ولا بالطوائف ولا بالاحوال والازمنة والاحلاف المتغيرة. ولا يملك المسيحيون، كما الدروز سواء بسواء، الا ان يواجهوا حقيقة اجبارية ملزمة هي ان تأثيرهم اضحى مرتبطا بقوة الدور الاستقلالي والديموقراطي الريادي من داخل النظام وليس بمعادلة الاوزان الثقيلة والتوازنات الطائفية. فاذا كانت مصالحة 2001 المسلّم بتاريخيتها الفعلية لم تكفل بعد العودة الثقيلة للمسيحيين الى الشوف، ولا كفلتها احلاف ومصالحات مابعد 2005، فاي ضمان لعودة مع حلف آخر بين زعامة درزية وزعامة مسيحية اخرى؟
واقع الحال ان الشوف والجبل لم يعودا في حاجة ال فائض مصالحات ولا الى فائض احلاف بل الى تفحص عميق لاحوال الناس، دروزا ومسيحيين في حمى هذه الجمهورية ذات الصفة الانتقالية الدائمة. ثمة في الشوف بلاء بهجرة مزدوجة، هجرة المسيحيين منذ ويلات الحرب، وهجرة الدروز في زمن السلم الاهلي. ولن يكون توسيع المصالحات الوصفة الشافية. الشوف، كما كل منطقة في لبنان، في حاجة الى دولة وجمهورية حقيقية وليس الى مزيد من احلاف ومصالحات، هي زيادة الزائد، الا اذا كان يُراد لها ان تتمم او تكمل ملء فراغ الجمهورية، عندذاك سينتظر الناس ملهاة اخرى، لا اكثر ولا اقل.