المشروع الفئوي الشمولي" يصطدم في العمق مع الوجود الماروني ومع الوحدة الإسلامية ـ المسيحية
لبنان "الرسالة" وصيّة من يوحنا بولس الثاني إلى بنيديكتوس السادس عشر
يبقى "المشروع الفئويّ الشموليّ" عاجزاً عن استكمال شروط هيمنته على لبنان ما دام لم يستطع التقدّم على طريق تفكيك عرى الوحدة الإسلاميّة المسيحيّة التي تحيا بها فكرة "14 آذار" و"حركة 14 آذار". ويمكن المجازفة بالقول إنّه إذا ما استمرّ هذا "المشروع الفئويّ الشموليّ" في محاولات تفكيك عرى الوحدة الإسلاميّة المسيحيّة للحركة الإستقلاليّة "دون طائل يذكر" فإنّ أزمته البنيوية لن تطول حتى تظهر على السطح.
يأتي ذلك بعد أن فشل "المشروع الفئويّ الشموليّ" في محاولات دامت أربع سنوات لاصطناع "وحدة إسلاميّة مسيحيّة مضادة" لتلك "الوحدة الإسلاميّة المسيحيّة الإستقلاليّة"، أي تلك الوحدة الحيويّة، المعاشة، الجماهيريّة، الميدانيّة، المسالمة، البرنامجيّة، التي جسّدتها ثورة الأرز، وافتداها شهداء ثورة الأرز.
وليس صحيحاً في هذا المجال أنّ الإنتخابات النيابيّة لم تحقّق شيئاً، على ما يقوله التبسيطيّون، مبرّرين بذلك دعاية "الفئويين الشموليين".
لقد أسفرت النتائج الإنتخابية عن أمرين أساسيين:
بالدرجة الأولى، فشل كل المساعي التي بذلت لاصطناع "وحدة إسلاميّة مسيحيّة مضادة للإستقلال" تقوم على "المزاوجة الإعتباطية" بين منطق "الممانعة والمقاومة" من جهة وبين منطق "تحالف الأقليّات" من جهة أخرى.
وبالدرجة الثانية، انتصار "الوحدة الإسلاميّة المسيحيّة الصانعة للإستقلال الثانيّ" والقائمة على "المزاوجة المنهجيّة" بين منطق "العبور إلى الدولة" وبين منطق "المناصفة التامّة والدائمة" بين المسلمين والمسيحيين.
مع ذلك بقي فارق أساسيّ بين الأمر الأوّل والأمر الثانيّ.
بعد 7 حزيران لم يعد اصطناع وحدة إسلاميّة مسيحيّة "8 آذارية" في مواجهة الوحدة الإسلاميّة المسيحيّة الـ"14 آذارية" خياراً إستراتيجيّاً مركزيّاً يمكن لـ"المشروع الفئويّ الشموليّ" المسلّح التترّس به، والتقدّم خلفه، لبلوغ مراده من إحلال مرحلة تاريخية جديدة من الهيمنة المذهبية الشاملة على البلاد.
لكن منذ 7 حزيران بات الخيار الإستراتيجيّ المركزيّ لـ"المشروع الفئويّ الشموليّ" هو تحطيم الوحدة الإسلاميّة المسيحيّة لـ"ثورة الأرز"، أولاً باستعادة مكتسبات "الواقع الأمنيّ" المفروض بقوّة السلاح، وثانياً برفع وتيرة استهداف الخطّ التاريخيّ للكنيسة المارونيّة كما يمثّله البطريرك نصر الله بطرس صفير.
فبعد أن كان "المشروع الفئويّ الشموليّ" يروّج في السنوات الماضية قدرته المسلّحة الفائقة على التكيّف مع "المسألة الكيانيّة المارونيّة"، إذ به يكشف عن النصل الحقيقيّ لتوجّهاته: هيمنته على لبنان غير ممكنة من دون تحرير لبنان من.. "المسألة المارونيّة".
وتحرير لبنان من "المسألة المارونيّة" يستوجب بالدرجة الأولى اصطناع مارونيّة أخرى، غير تلك التي نعرفها منذ مئات السنين، وغير تلك التي تخرَّج أبناؤها من مدرسة روما المارونيّة التي أنشأها البابا غريغوريوس الثالث عشر في القرن السادس عشر.
وهكذا مضت فئة من الساسة في الآونة الأخيرة تقحم نفسها أوّلاً في القضايا "اللاهوتيّة الصرف" فتفتي بقربى المسيحيين لهذا المذهب الإسلاميّ دون ذلك المذهب الإسلاميّ، ثم مضت الفئة نفسها تقحم نفسها ثانياً في القضايا "الليتورجيّة" من خلال تفرّدها بمشهدية "قدّاس براد" الإنشقاقيّة، وكل ذلك بعدَ أنّ جرت تسمية أحد الساسة "بطريركاً على أنطاكية وسائر المشرق" لا من قبل مرجعية دينية، بابويّة أو بطركيّة، وإنّما من قبل.. "منظومة الممانعة".
وأخيراً وليس آخراً، نطق أحد الساسة بمقولات حول السيّد المسيح سبق وأن أدانتها الكنيسة الكاثوليكيّة بصريح العبارة في "مجمع الفاتيكان الثاني".
ثمّة إذاً ضغط متزايد من حملة "المشروع الفئويّ الشموليّ المسلّح" لاصطناع "مارونيّة مضادّة" للكنيسة المارونيّة كما عرفناها، وللطائفة المارونيّة كما عرفناها، وللوجود التاريخيّ المارونيّ كما عرفناه.
ويأتي ذلك فيما لا تزال المطبوعات المحسوبة على "المشروع الفئويّ الشموليّ" تشنّع على التراث الحضاريّ الأنطاكيّ، من القديس يوحنّا فمّ الذهب وصولاً إلى البطريرك نصر الله صفير، من دون حسيب ولا رقيب.
وفي الوقت نفسه، ما زال "المشروع الفئويّ الشموليّ" يجد منافذ له في مؤسسات جامعية وتربويّة مسيحيّة، فيحيي مناسبات من خارج نسيجها، أو يأتي بتعابير من خارج قاموسها القائم على ديانة المحبة، واحترام قدسيّة الموت، والموتى، فكيف بقدسيّة الشهادة.
كل هذا غيض من فيض ضغط يتخذ أشكالاً عدّة، ويبقى محوره إخراج الموارنة من ارتباطهم الأوّل والأخير مع كنيستهم السريانية الأنطاكيّة المارونيّة، وإخراج كنيستهم القوميّة من ارتباطها الأوّل والأخير مع الكنيسة الكاثوليكية، وتراث الكثلثة، والعالم المسيحيّ.. ذلك من أجل إدخالهم، عنوة، في عالم آخر، لا يعود فيه الموارنة "تاريخاً حيّاً".. وإنّما "حفريات أركيولوجيّة".. مجرّد حفريّات.. كما في براد.
لأجل ذلك كلّه، فإنّ الحفاظ على الوجه المارونيّ للموارنة شرط للحفاظ على عمق الوحدة الإسلاميّة المسيحيّة لثورة الأرز الذي هو بحدّ ذاته الشرط الجوهريّ لبقاء لبنان ولتجاوز "المشروع الفئوي الهيمنيّ" بعد السنوات "المريرة.. القادمة".
والحفاظ على ذلك يتأمّن بشكل أساسيّ بدور فاعل يقوم به الكرسيّ البابويّ، للحفاظ على لبنان النموذج، فلبنان "الرسالة" بالنسبة إلى البابا الراحل يوحنا بولس الثاني هو أيضاً لبنان "الوصيّة" للبابا الحالي بنديكتوس السادس عشر، وهنا يندرج الطابع التاريخيّ لزيارة الرئيس سعد الحريري إلى الفاتيكان، في هذه اللحظة المصيريّة.
.. ثمّة من يخيّر الموارنة بين "الحفريات في براد" وبين "التشّتت في المهاجر".. وثمّة في المقابل لسان حال ثورة الأرز ما فتئ يقول: ان الحفاظ على الوحدة الإسلامية المسيحية يمرّ عبر الحفاظ على الوجه الماروني للموارنة. وإذا ما استطاع اللبنانيون الحفاظ على وحدتهم الإسلامية المسيحية، وثبت الموارنة على هويتهم المارونية الأنطاكية الكاثوليكية، فلا مستقبل بعد ذلك أمام "المشروع الفئوي الشموليّ" غير التخلّي عن شموليّته، والإلتحاق بموقعه في الخارطة "الإسلامية المسيحية" اللبنانية القائمة على مبدأ "المناصفة التامّة والدائمة".