#adsense

المدافع لا تبني وطناً… ولا تحني جبلاً

حجم الخط

"الأخلاق هي قاعدة التعامل مع الأفراد، فهل يمكن أن نبني علاقاتنا مع الآخرين على الكذب وعلى الخبث وعلى السرقة وعلى القتل؟ طبعا كلا. لكن عندما نرى السياسي المحترم في لبنان يقول على شاشات التلفزيون إنه قتل كل المخطوفين عنده هل يكون قاتلا أم لا؟ هو قاتل. وفي موقع آخر يقول كنت "مزنوقا" وقبضت، ويقول أيضا "إن لبنان تحكمه حيتان المال وأنا واحد منهم" و"عندي دفاتر مزدوجة لأعمالي وأقدم الدفاتر الخاسرة للضرائب والدفاتر الرابحة أحتفظ بها لنفسي". هل يكون سارقا أم لا؟ هو سارق. وحين يقول إنه كذب 25 عاماً واستغل النفوذ في سلطة الوصاية وسيطر على شعبه وكسب ثروات من هذا النفوذ ألا يكون كاذبا؟ هو قال إنه كاذب. عندما يكرّم مجتمعنا هذا السياسي الذي هجّر شعبه ويعمل على عدم عودته وهضم حقوقه، هل نعطيه موقعنا ونقدم له كرسينا ونضعه في موقع الشرف؟". (كلمة النائب ميشال عون في الذكرى العشرين لحرب التحرير بتاريخ 14/03/2009- المتروبوليتان سن الفيل).

كلما قرر النائب ميشال عون القيام بزيارةٍ ما، فلا بد وأن تكون تاريخية، فهو لا يحبذ الزيارات العادية ويحرص على أن يحيط تحركاته بهالةٍ افتقدها يوم انقلب على التاريخ والحقيقة. إلا أن ما فات عون وصحبه أن ما يخفى على الناس لا يخفى على التاريخ، وأن الشعارات الطنانة لن تكفي للتمويه على الكثير من التقلبات والإنقلابات التي خاضها ضد أهله ومجتمعه. ومن المؤكد أن ما فشل عون في تحقيقه في الشوف وعاليه مسيحياً، عبر إثارة النعرات ونكئ الجراح واستحضار مآسي الحرب، لن يستطيع تحقيقه متحالفاً مع جنبلاط، سيما أن مشاعر أهل الجبل الدروز منقسمة بين وليد جنبلاط الزعيم وبين "14 آذار" الحلم، كما أن مسيحيي الجبل قد قالوا كلمتهم في الإنتخابات الأخيرة. من هنا نفهم الإنكفاء الشعبي عن استقبال الجنرال، بعكس ما حصل يوم زيارة غبطة البطريرك، حيث استقبله أبناء الجبل في معظم القرى والبلدات التي سلكها موكبه، ولا ننسى أن تلك الزيارة بما كانت ترمز إليه استدعت تدخلاً عاجلاً من ضباط النظام الأمني اللبناني السوري (حلفاء العماد عون حالياً)، فكانت الإعتقالات الشهيرة في 7 آب، والإعتداءات السافرة والمقززة في 9 آب تحت إشراف جميل السيد من جهة وعلى مرأى من القاضي عضوم من جهة أخرى.

ليس الهدف، من التذكير ببعض ما قاله العماد عون عن النائب جنبلاط، التعكيرعلى أجواء الزيارة العونية إلى المختارة لا سمح الله، إنما التأكيد على ما ورد في مقدمتها، من أن العلاقة مع الآخرين لا تبنى على الكذب والخبث. من هنا السؤال البديهي الذي يتناهى إلى الأذهان بشأن الأسس التي قام عليها اللقاء العوني – الجنبلاطي؟ سيما أن الفارق الزمني بين كلام عون، ولقاء المصالحة الأول في قصر بعبدا لم يحمل جديداً، سوى استدارة جنبلاط السياسية باتجاه دمشق، فيما لم يحصل أي تقدم أو تطور في أي من الملفات التي دأب عون على إثارتها في وجه جنبلاط. لذلك يصبح مشروعاً وضع اللقاء الأخير بين الرجلين في إطار إعادة تموضع القوى التابعة لسوريا في لبنان، على أساس تدعيم النفوذ السوري وإعادة تمدده على كافة الأراضي اللبنانية، إنما هذه المرة تحت غطاء مصالحة مسيحية -درزية أُريد لها عونياً التعويض عن الهزيمة المسيحية التي منيوا بها في الشوف وعاليه، والإيحاء باستعادة ثنائية مسيحية – درزية عبر رمزية محطة ديرالقمر، ويظهر هذا التوجه العوني من خلال التضخم الذي حملته الشعارات المواكبة للزيارة، من "زيارة تاريخية"، إلى زيارة "أبعد من مصالحة ومصارحة إلى التأسيس لقرون من السلام"… إلا أن الرياح لم تجري بحسب ما اشتهت السفن العونية، فسقط اللقاء الشعبي إلى مستوى بضع مئات، وسقطت محاولة الهيمنة على الإرث الشمعوني العريق عبر انتفاضة للأحرار في دير القمر، واقتصر الخطاب السياسي على الإدعاء بأن "المدافع لا تصنع وطناً" كما قال العماد عون في بيت الدين، إلا أنه نسي أن انعطافة جنبلاط الأخيرة ما هي إلا نتاجاً لدوي مدافع "المقاومة" في 7 أيار، وما زيارته اليوم إلا حلقة في سلسلة التنازلات التي فرضتها المدافع الإيرانية على وليد جنبلاط.

ترى هل نسي الجنرال أنه كان المكلف بإعلان النصر في ذلك اليوم؟ أم تراه يظن أن الجبل ينسى…أو ينحني؟ يبقى أن يتذكر عون ومن حوله، أن التاريخ لا يستذكر المحطات المضيئة فقط، كما أنه لا يقتصر على ذكر العظماء، بل يفرد بعض هوامشه للهامشيين الوضيعين الذين يتنكرون لتضحيات شهدائهم، ويستذكر المحطات المظلمة والمخذية أيضاً. فالتاريخ، على سبيل المثال لا الحصر، سيذكر الأحرار الذين تداعوا في 14 آذار للتجمع في ساحة الحرية والمطالبة باستقلال لبنان، كما سيذكر أولئك الذين تجمعوا في 8 آذار لشكر المحتل على ما ارتكبه بحق وطنهم، كما أن التاريخ سيذكر بالتأكيد المصالحة التي أرساها البطريرك صفير في الجبل والتي زعزعت أسس النظام الأمني اللبناني – السوري البغيض، وبالتأكيد سيذكر أيضاً أن جنرالاً متقاعداً حاول في لحظة إقليمية ما إرساء مصالح النظام السوري في لبنان، وحوّل نفسه عبر زيارة، ادعى أنها تاريخية، إلى جسر عبور إلى الشام يلجه كل "الضعفاء في نفوسهم لا الأقوياء".

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل