#adsense

السؤال: ماذا عن معادلة السكّان في مقابل السكان؟

حجم الخط

نصر الله وجعجع افتتحا مرحلة النقاش المعمّق في القدرات التدميرية المتبادلة بين لبنان وإسرائيل
السؤال: ماذا عن معادلة السكّان في مقابل السكان؟

يمكن التفاؤل بكلام كل من الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله ورئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" لناحية اننا دخلنا في صلب النقاش حول منظومة الرّدع اللبنانية المفترضة. يفترض بالتالي تعزيز هذا التفاؤل بتوسيع قاعدة النقاش وإحاطته بروحيّة حواريّة ديموقراطيّة، مع بذل جهد مشترك لتصويب "الأسئلة الجماعية" التي نطرحها على أنفسنا كلبنانيين، ذلك قبل أن نفترق في الإجتهادات والأجوبة.

يمكن القول في هذا المجال أنّ أمين عام "حزب الله" افتتح مرحلة الأسئلة الجذريّة التي كنّا بأمسّ الحاجة إليها لإنطلاقة حوار جديّ، وفي العمق، حول "المنظومة الدفاعيّة". السؤال المركزيّ عنده: ماذا يمكنني أن أدمّر في الداخل الإسرائيليّ؟ وعنه يتفرّع سؤال آخر: ما هو أثر تعاظم قدرتي التدميريّة في العمق الإسرائيليّ على قرار الحرب والسلم لدى العدوّ؟

وطيلة الأسبوع الأخير سعى اللبنانيّون، بأشكال مختلفة للإجابة عن السؤال الأخير. هل أنّ أثر تعاظم قدرة "حزب الله" التدميريّة في العمق الإسرائيليّ من شأنها "ردع" إسرائيل نظراً لـ"الكلفة العالية" للعدوان التي صار يفترض أنّها لا تتحمّلها، أم أنّ تعاظم هذه القدرة يزيد من مخاطر تعريض لبنان، و"حزب الله" نفسه لعدوان جديد، أو على الأقل إلى تعزيز منحى الإستعداد والتهيئة لهكذا عدوان لدى الجيش والمؤسسة الحاكمة في اسرائيل؟

بهذا المعنى، استطاع "حزب الله" لأسبوع كامل أن يربط اللبنانيّين كلّهم بطريقته في طرح الأسئلة.. إلى أن كان المؤتمر الصحافيّ لرئيس الهيئة التنفيذية. فما قام به الدكتور جعجع في هذا المجال، من موقعه، يبشّر بإنطلاقة عملية تصويب الأسئلة، وليس فقط بتوسيع الحق الديموقراطي في طرح هذه الأسئلة.

بداية التصويب ان ثمة انواعاً عدّة مما يصطلح على تسميته بـ"توازن الرّعب". وتوازن الرّعب بالشكل الذي قدّمه "حزب الله" أخيراً لا يزال عند مستوى التوازن بين أقصى قدرة تدميرية لدى "حزب الله" في العمق الإسرائيليّ وبين أقل قدرة تدميريّة لدى العدو في العمق اللبنانيّ. لكن السؤال الذي يبقى مفقوداً: ماذا لو جرت الحرب بحسب منطق آخر؟ منطق الحرب الكليّة، أي منطق اصطدام أقصى قدرة تدميريّة لدى "حزب الله" للبنى التحتية والحيوية للمجتمع الصناعيّ الإسرائيليّ مع أقصى قدرة تدميريّة لدى العدو للبنى التحتية والحيوية في المجتمع اللبناني ما قبل الصناعي؟

الإفتراض القائم لدى "حزب الله" أنّ التدمير الذي يلحقه بمجتمع صناعيّ معاد يشكّل تهديداً وجوديّاً لهذا المجتمع إلى حدّ يتخطّى وبمسافات ضوئيّة مستوى التهديد الوجوديّ الذي يمكن أن يشكّله العدو بالنسبة إلى مجتمعنا ما قبل الصناعي، وبالدرجة الأولى بالنسبة إلى البيئة الأهليّة التي يجد فيها "حزب الله" قاعدته الآمنة وخزّانه البشريّ النابض والفوّار.

لكن المشكلة مع هذا الإفتراض أنّه إذ يقدّم معادلة توازن رعب بين تدمير لبناني، حزب اللهي، في البنية التحتية الإسرائيلية، وبين تدمير اسرائيلي، في البنية التحتية اللبنانية، فإنّه يعزل، ويطمس، مسألة إنعدام التوازن التدميريّ في البنية البشريّة، أي في السكّان. إذا لا يماري أحد من قادة "حزب الله" أن للعدو الإسرائيليّ القدرة التقنية، والمستوى الكافي من الشرّ، لقتل عشرات آلاف اللبنانيين في بضع دقائق، لكن لم يصرّح لنا أحد من قادة "حزب الله" عن قدرته على قتل عشرات آلاف الإسرائيليين في بضع دقائق. إذاً "توازن الرّعب" من ناحية التدمير المتبادل في البنى التحتية والحيوية لا ينعكس "توازناً للرّعب" من ناحية التدمير المتبادل في البنى البشريّة، أي في السكّان. لقد استطاع "حزب الله" إلى الآن تعطيل نصف المنطق الإسرائيليّ (منطق تدمير البنى التحتية) لكن بقي النصف الآخر، النصف الأكثر شيطانيّة (منطق حرب الإبادة، منطق التنكيل الجماعي بشرائح واسعة من السكّان).

وهذا يعني أنّ إختزال "توازن الرّعب" إلى توازن بين أقصى قدرة لدى "حزب الله" على التدمير في البنى التحتية والحيوية الإسرائيلية وبين أقل قدرة تدميريّة اسرائيلية في التدمير في البنى التحتية والحيوية اللبنانية إنّما هو إختزال ينطلق من إفتراض أنّ الإسرائيليين سيكونون مكبّلين بـ"مشاعر إنسانيّة" إذا ما وقعت حرب إقليمية، وهذا إفتراض لا يمكن البناء عليه عادة في الحروب، فكيف مع عدوّ تاريخيّ كإسرائيل، بل عدوّ مطلق من وجهة نظر "حزب الله"؟

إذا ما قصف مطار رفيق الحريري الدولي يمكن الرد بقصف مطار بن غوريون في اللد. إلى هنا تبقى المعالجة الإستراتيجية سليمة بالشكل الذي يقدّمها أمين عام "حزب الله". لكن ماذا لو ردّت اسرائيل على قصف، أو حتى تدمير مطار بن غوريون، بتدمير أحياء سكنية بمن فيها على اللبنانيين، وأوقعت في بضع دقائق عشرات آلاف القتلى. عندها ماذا يكون الرّد؟ هل يبقى الأمر "سرّاً" تحتفظ به المقاومة؟ كيف تنظّم الحدود بين ما يمكن أن يعرفه اللبنانيون وما ينبغي لهم أن يجهلوه؟ هم يعرفون الآن إنّه إن قصف مطارهم سيقصف مطار عدوّهم، لكنّهم لا يعلمون إن قتل منهم عشرة آلاف مواطن هل يمكن قتل عشرة آلاف اسرائيلي في المقابل؟

ما هو إذاً السبب، الذي تفترضه "المقاومة"، والذي تتيقن على أساسه من أنّ إسرائيل، لن تقوم بما يمكنها تقنياًَ، بإعتراف الجميع، القيام به، وهو الإبادة لقسم من الشعب اللبنانيّ؟

فهل تتكّل "المقاومة" على القانون الدوليّ، أم على المجتمع الدوليّ، أم على المحاكم الدولية ضد مجرمي الحرب، والتشريعات ضد جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضدّ الإنسانية؟ إذا كانت الحال كذلك يجوز لنا كلبنانيين أن نعرف، ويصبح مفترضاً بـ"المقاومة" حينها أن "تتوسّط" القانون الدوليّ، والمجتمع الدوليّ، والمحاكم الدوليّة، في صراعها مع إسرائيل، ومن هنا إلى قبول "المقاومة" بفكرة "التسوية" مع إسرائيل لن يعود هناك مسافة كبيرة.

هذه هي المعضلة التي لم يطرحها "حزب الله" في تحديثه الأخير لنظريته في "توازن الرّعب"، والتي مهّد جعجع لطرحها بشكل أو بآخر، وخصوصاً عند استفهامه عمّا أعددناه من ملاجئ تحمي السكّان، في حال إتخاذ الحرب صفة "الحرب الكليّة".

فـ"الحرب الكليّة" هي تعريفاً الحرب التي تغادر جبهات القتال والمواقع العسكرية لتطال عمق البنى التحتية والحيوية ولتطال أيضاً عمق البنى البشريّة، أي السكّان، وبأعداد كبيرة. لا يمكن بالتالي التفكير بـ"نصف حرب كليّة" بمعنى "البنى التحتية في مقابل البنى التحتية" لكن على أساس التوقّع، مسبقاً، بأن يتجنّب العدو تحويلها إلى "حرب كليّة كاملة" بمعنى "البنى التحتية والسكّان في مقابل البنى التحتية والسكّان".

أمام هذا الكابوس، كابوس إبادة قسم من شعبنا، يمكن أن تدرك "المقاومة" أن الشيء الوحيد الذي يمكنه أن يشكّل رادعاً، إلى حد بعيد، دون "الحرب الكليّة الكاملة" هو الحفاظ على سمة "الدولة" في لبنان، بدلاً من تغييب هذه السمة.. ولكن المفارقة هنا أنّ "توازن الرّعب" بالشكل الذي تطرحه "المقاومة" أي "بنية تحتية في مقابل بنية تحتية"، إنّما يعني مزيداً من "إنعدام التوازن" بين القدرات العسكريّة لـ"المقاومة" وبين القدرات العسكريّة لسلاح الشرعيّة اللبنانية، الأمر الذي من شأنه أن يزيل أي ردع يقينا من كابوس الإنتقال من معادلة "البنى التحتية في مقابل البنى التحتية" التي يمكنها ان تصيب اسرائيل في الصميم، هذا صحيح، إلى معادلة "البنى التحتية والسكّان في مقابل البنى التحتية والسكّان" الذي ما زال العدوّ يحتكرها.. ولم تقل لنا "المقاومة الإسلامية" بعد أنّ العدوّ ما عاد يحتكرها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل