تصويت الحريري و"المستقبل" امتناعاً عن خفض سن الاقتراع "الآن" رسالة الى المسيحيين ضد "الأكثرية العددية"
هاجس مسيحيي 14 آذار "استراتيجي".. و"حزب الله" لا ينصُر "التيار"
في الجلسة العامة لمجلس النواب أول من أمس، برزت وحدة موقف مسيحي حيال خفض سنّ الاقتراع الى ثمانية عشرة سنة.
ربط مسيحيّو 14 آذار موافقتهم على تعديل الدستور، بما يتيح خفض سنّ الاقتراع، ببتّ الآلية التي تمكّن المغتربين من التصويت بما في ذلك في أماكن إقامتهم، وأكدوا أن تحقيق تزامن معيّن بين التعديل الدستوري من جهة والآلية من جهة ثانية، سيجعلهم يصوّتون على الإثنين معاً.
أما مسيحيّو 8 آذار "التيار الوطني الحرّ" تحديداً فقد ربطوا موافقتهم على خفض سنّ الاقتراع الى 18 بمطلب استعادة المتحدّرين من أصل لبناني الجنسية اللبنانية بحيث يستطيع هؤلاء المتحدّرون التصويت في الانتخابات نيابيةً كانت أم بلدية.
"التيّار العونيّ" وهاجس "الشعبية"
هذا في الظاهر. بيدَ أن الأمر مختلف في العمق.
ذلك أن "التيّار الوطني الحرّ" يعرف على ما يبدو أن "نفوذه" ضمن الشريحة العمريّة المقترح تعديل الدستور لصالح حقّها في التصويت، على غير ما يشتهيه. وهذا ما أثبتته لـ"التيّار" نتائج الإنتخابات الطالبية في طول البلاد وعرضها، على مرّ السنوات الماضية.
بكلام آخر، إن "التيّار" يبدو مهجوساً بـ"شعبيّته"، في البيئة المسيحية تحديداً بمختلف شرائحها لا سيما الشريحة الشبابية منها. وثمّة اعتقادٌ على نطاق واسع أن الإصرار الذي أبداه "التيّار" أصلاً على "النسبية"، إنما كان في السياق نفسه، أي محاولة تعويض خسائره بـ"النسبية"، لأن لا أمل له، في انتزاع بلديات مسيحية كثيرة، في ظلّ نظام أكثري. لا بل أكثر من ذلك، هناك تشكيك على نطاق واسع أيضاً برغبة "التيّار" في حصول الإنتخابات البلدية أساساً.
الكنيسة ومسيحيّو 14 آذار: إستراتيجية مسيحية
العكسُ هو الصحيح بالنسبة الى مسيحيي 14 آذار.
فعلى الرغم من أن الشريحة العمرية، موضوع البحث، تعطي مسيحيي 14 آذار نسبةً عالية من تصويتها (وهنا أيضاً فإن الانتخابات الطالبية تزكّي هذا الاستنتاج)، فإن الهاجس لديهم "إستراتيجي".
و"الهاجس الإستراتيجي" لدى مسيحيي 14 آذار، وهو نفسه "الهاجس الإستراتيجي" لدى الكنيسة وعلى رأسها البطريرك نصرالله بطرس صفير، هو الذي يتعلّق بـ"الصيغة"، حاضرها ومستقبلها، في ظلّ الضغوط التي تتعرّض لها لتعديلها.. وإطاحتها. أي أن موقف مسيحيي 14 آذار "إصلاحي" لجهة كونه موقفاً مؤيداً لخفض سن الاقتراع و"صيغويّ" إذا جاز التعبير لجهة كونه ينظُر الى ما تتطلّبه "الصيغة" كي تبقى مستقرّة. وعلى أي حال، يعتبرُ "المسيحيون الإستراتيجيون" كنيسةً وفريقاً سياسياً 14 آذارياً أن التناقص المسيحي العددي، لا سيما بالهجرة، ناجمٌ في جزء مهمّ منه عن أسباب ليسوا مسؤولين عنها، كلّها أو بعضها. ومن هذه الأسباب ضعف الاستقرار السياسي والأمني في لبنان والمنطقة، ووجود مشروع غلبة أو أكثر بالاستناد الى "القوة". ويرون أن لا مفرّ من إعادة قدر من التوازن الى "الصيغة"، بما في ذلك عبر تكريس حقّ المغتربين في الاقتراع.
وحدة الموقف المسيحي، كانت في الظاهر إذاً. أما في العمق، فقد كانت وحدة الموقف "وحدةً تصويتيّة"، أي نوعاً من وقوف "التيّار" تكتيكياً خلف مسيحيي 14 آذار.
في المقابل، أي بإزاء التصويت المسيحي في جلسة أول من أمس، ثمّة ما يستحق لفت النظر إليه والتشديد عليه.
لم يظهّر التصويت النيابي وحدة موقف إسلامي.
"الثنائية الشيعية" لا تدعم "التيّار العوني"
الكتلتان النيابيّتان لطرفَي "الثنائية الشيعية" صوّتتا بجانب تعديل الدستور خفضاً لسنّ الاقتراع.
الملاحظة الأولى، هي أن الكتلتَين لم "تسايرا" حليفها "التيّار العوني". والحال أن "حزب الله" خصوصاً، لم يوفّر فرصةً في السابق لتأكيد دعمه حليفه. والحال أيضاً أن "التيّار" لم يتعب خلال السنوات الماضية من تكرار مقولة أن "شريكه المسلم" أحرص على المسيحيين و"أكرم" مِن "الشريك المسلم" لمسيحيي 14 آذار. لكن، على ما يبدو، فإن اعتبارات "حزب الله" في موقفه من خفض سنّ الاقتراع أقوى وأهمّ من الاعتبارات التكتيكية لدى الحليف العوني، لا بل يعتبر "حزب الله" أنه يستطيع الاعتماد على حليفه، عندما "تحزّ المحزوزيّة"، أي عندما يدهم أمرُ إعادة النظر في "الصيغة".
.. وتراكم ملفّ تغيير "الصيغة"
الملاحظةُ الثانية، هي أن الدافع وراء "التصويت الشيعي" في الجلسة النيابية أول من أمس، ليس دافعاً "إصلاحياً". والحال أنه لا يمكن أن يكون الدافع إصلاحياً، عندما يراكم "حزب الله" خصوصاً أسباباً للخوف منه على الصيغة، سواء تعلّق الأمر بتفسيره للطائف ودستوره أو تعلّق باستبعاده كل خطوة باتجاه "الدولة الواحدة".
الحريري و"المستقبل": تضحية إصلاحية
في غضون ذلك، إنضمّ الرئيس سعد الحريري و"كتلة المستقبل" الى الإمتناع عن تعديل الدستور لخفض سن الاقتراع.. حتى إشعار آخر.
لا شك أن الرئيس الحريري الذي صوّت ممتنعاً "مع الأسف"، يعرف أن هذا التصويت "غير شعبي"، لا سيما في "تيّار المستقبل" نفسه حيث الشباب عنوانٌ.. بارز.
بيدَ أن الحريري و"كتلة المستقبل" يعرفان أيضاً أنه لا يمكن التصويت على إصلاح معيّن لا يريده الشريك المسيحي الآن، أو يريده بـ"ضمانات" معيّنة. ويعرفان كذلك أن الموقف المسيحي، الذي جرت تسميته إستراتيجياً في المقدّمات الآنفة، لا يزال، على الرغم من ثقته بالرئيس الحريري وبـ"التزاماته" المكرّرة بالطائف وبالمناصفة "الى الأبد" كما قال في حاضرة الفاتيكان، غير مطمئن تماماً، ويعتبر أن "الصيغة" مستهدفة.
.. لمصلحة الشراكة
من هنا، فإن الرسالة التي أراد الرئيس الحريري و"كتلة المستقبل" توجيهها بالإمتناع عن التصويت، مع المسيحيين، هي رسالةُ تأكيد للمسيحيين أن ليس في البلد أفقٌ لـ"أكثرية عددية إسلامية" ولـ"ديموقراطية عدديّة" تالياً. أي أن الحريري الميثاقي، أراد القول إن خياره تكراراً ليس خيار إتفاق إسلامي "على" المسيحيين. وأراد القول إن "التضحية" بعنوان إصلاحي بارز الى حين – تصبح "واجبة" عندما يتعلّق الأمر بالشراكة الإسلامية المسيحية.. وإن المطلوب بالفعل تحديد الإطار الوطني "الصيغويّ" الميثاقي للإصلاح كي ينطلق البلد بمجمله الى رحاب هذا الإصلاح ومزيد من الديموقراطية.