لا يستطيع أحدٌ من المراقبين للوضع اللبناني أن يدفن رأسه في الرمال، على طريقة النعامة، متجاهلاً جملة تعقيدات ليقول (إن الدنيا بألف خير). إن أكثر من مؤشر يدل على أن الملفات الشائكة هي نارٌ تحت الرماد، والمؤسف انه في الحال اللبنانية فإن النيران غالباً ما تكون أقوى من الرماد.
* * *
بعد أقل من أسبوع، تحل الذكرى الرابعة لطاولة الحوار التي أطلقها رئيس مجلس النواب نبيه بري في ساحة النجمة ثم انتقلت إلى قصر بعبدا مع وصول العماد ميشال سليمان إلى رئاسة الجمهورية.
طاولة الحوار في جلساتها الأولى التي امتدت من آذار 2006 إلى مطلع تموز من العام نفسه، شارك فيها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، ولكن إثر حرب تموز، توقف عن المشاركة في جلسات المرحلة الثانية والتي انطلقت بعد تلك الحرب. وفي المرحلتين تمَّ التوافق على كل البنود المطروحة ولم يتبقَّ سوى بند واحد هو (الإستراتيجية الدفاعية) عن لبنان في وجه التهديدات الإسرائيلية.
في جلسات الحوار في قصر بعبدا بُحثت افكار عديدة سعياً للتوصُّل إلى استراتيجية تلقى إجماعاً، توقَّف البحث في هذه القضية الحسّاسة مع اقتراب موعد الإنتخابات النيابية، وبعد اعلان النتائج تسبَّب عاملان في تأخير انعقادها مجدداً:
الأوَّل تبدُّل الوجوه التمثيلية، وهنا برزت بعض العُقد حول مَن يكون في الصف الأول حول طاولة الحوار، أما العامل الثاني فتمثَّل في تأخير تشكيل الحكومة.
البندُ المتبقي على طاولة الحوار بدأت مصاعبه تلوح باكراً من خلال الجدل الذي رافق مناقشات البيان الوزاري ولا سيما لجهة بند المقاومة وسلاح حزب الله، وقد تمَّ (التوافق) على صيغة اعتبر الجميع فيها انه حقق ما يريده.
* * *
اليوم يتكرر هذا الجدل متّخذاً تفاوتاً بالرأي في البلد، ليس على مستوى القيادات فحسب بل على المستوى الشعبي أيضاً، ليُلقي ظلالاً من عدم الإرتياح في الوضع العام:
فمن جازم أن حق المقاومة لا نقاش فيه وانها تحتفظ بحقِّها في الرد على أي اعتداء يتعرض له لبنان وبالطرق والأساليب والأسلحة التي تراها مناسبة، إلى قائلٍ ان هذا القرار تتخذه الدولة اللبنانية من دون أحدٍ سواها لأنه يتعلَّق بمصير لبنان وبشعبه وبالتالي لا يجوز لأحد أن يحل محل الدولة اللبنانية في تحمُّل تبعات وخسائر لا طاقة لها على تحملها.
* * *
بين المنطقَين، هل من خيار ثالث؟
بالتأكيد، فالخيار الثالث في يد السلطة التنفيذية وعلى رأسها رئيس الجمهورية المؤتمن على الدستور والمسؤول عن شعبه، وهناك آليات لإدارة البلاد من مجلس الوزراء إلى طاولة الحوار، لأنه في حال قامت اسرائيل بأي اعتداء فإن الدولة كما تؤكد يومياً هي المسؤولة عن اجراء الإتصالات الديبلوماسية الاقليمية والدولية لوقف العدوان إن حصل.