الرهان على سعد الحريري، رئيساً للحكومة وهو في العقد الرابع من عمره، لم يكن للكثيرين رهاناً رابحاً في وقته، لا انتقاصاً من قدرته وعلمه وذكائه وشعبيته، بل لان سعد الحريري سيأتي رئيساً لحكومة، اكثر الدول العربية تعقيداً واضطراباً وتنوّعاً طائفياً ومذهبياً، كما سيأتي خلفاً لرئيس حكومة استثنائي، في معارفه وعلاقاته وصداقاته العربية والدولية، وفي طاقاته غير المحدودة على العمل والعطاء، واحتواء اصعب الامور والاحداث واكثرها خطورة على الدولة والكيان، الى ان قدّم حياته ودماءه قرباناً على مذبح ايمانه العميق بلبنانيته الصافية، وعروبته النقيّة، وبالوحدة المسيحية الاسلامية في دولة واحدة هي الدولة القوية العادلة المستقرة، واذا كان الرئيس فؤاد السنيورة، قد اكمل المسيرة بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، بحكمة وشجاعة وصلابة، فلانه كان ظل الرئيس الشهيد ورفيقه وتمرّس معه بالسياسة والمسؤولية الحكومية بعكس سعد ابن رفيق الحريري، الذي كان في غير عالم، وفي غير اهتمام، وفي غير همّ، من هنا كان الخوف عليه سبباً من اسباب عدم الرهان على نجاحه، عندما دقت ساعة الحقيقة، وحكمت ارادة اللبنانيين ان ترفع سعد الحريري الى سدّة الرئاسة الثالثة، في زمن يفرض عليه، وهو رئيس حكومة لكل لبنان، ان يأخذ الخيارات الصعبة والمواقف الشجاعة في داخل لبنان وخارجه، وكانت المفاجأة الكبيرة، ان سعد الحريري لم يتردد لحظة في اخذ هذه الخيارات والمواقف، فدعا الى قيام حكومة ائتلاف وطني، ومدّ يده الى خصومه وزارهم في بيوتهم، وقدّم تنازلات كبيرة في تشكيل حكومة الائتلاف الوطني، وعقد مع الرئيس السوري بشار الاسد صلح الشجعان، كرمى لمصلحة وطنه ولمصلحة الوفاق العربي، ولجمع الصفوف في مواجهة اسرائيل، والمدهش انه في جميع خطواته هذه، لم يتخلّ لحظة عن ثوابته ومبادئه واهدافه وطموحاته، وعلى الرغم من الشائعات والتسريبات و«المعلومات» التي اريد لها ان تشكل ضغوطاً على سعد الحريري ليتخلى عن حلفائه المسيحيين، فاجأ الحريري فريق الدس والتشكيك هذا في اجتماع البريستول لقوى 14 آذار وفي يوم استشهاد والده في ساحة الحرية، انه باق مع حلفائه حتى آخر يوم من عمره، مؤكدا مرة اخرى مدى وفائه لمن وقف معه يوم محنته وقدّم مثل والده، الدم والشهادة في سبيل لبنان حر، سيد، مستقل عربي، ملتزماً في الوقت ذاته بالانفتاح على سوريا، وتعزيز العلاقات معها، واستمرار تعاونه في الداخل مع الجميع على قاعدة الحفاظ على مصلحة الوطن والناس.
***
تعوّدنا في لبنان على انواع من القيادات والمسؤولين، يقولون كلمتهم ولا يلتزمون بها، فتذهب كلمتهم هباء، لكن الانقلاب عليها وانكارها، يبقيان في ذاكرة الناس، ويتصدران اهتماماتهم عند الحساب.
سعد الحريري، اثبت حتى الآن، انه ليس من طينة هؤلاء، بل هو رجل يقول كلمته ويثبت عليها، وهو عندما اكدّ في اكثر من مناسبة ما كان يقوله والده الشهيد، ويعمل في سبيله، بأن يظلّ لبنان وطناً بالتساوي للمسيحيين والمسلمين الى الابد، بصرف النظر عن الارقام والعدّادات، نفّذ على الارض هذا القول، ان من حيث التمسّك بالمناصفة، او من حيث المسارعة الى تبديد تخوّف المسيحيين، من خطوات يسعى البعض الى تحقيقها دون اخذ هواجسهم بالحسبان، كما هو الحال عند طرح الغاء الطائفية السياسية، او تخفيض سن الاقتراع، ولم يقف بالكلام الى جانب هذه المخاوف والهواجس، بل نفذ عملياً، بالموقف والاقتراع كلامه هذا، واضاف اليهما موقفين آخرين لهما دلالاتهما العميقة عند المسيحيين، الاول اعتماد يوم بشارة السيدة العذراء عيداً رسمياً يتشارك فيه المسلمون والمسيحيون، والقيام بزيارة عائلية ورسمية في آن، الى حاضرة الفاتيكان، ولقاء قداسة البابا، ليسير في طريق الانفتاح هذا على خطى والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
***
ان جميع هذه الخطوات والمبادرات التي قام بها الرئيس سعد الحريري، ليس تجاه المسيحيين وحسب، بل تجاه من كان على خصومة سياسية وغير سياسية معهم، ان دلّت على شيء، فعلى ان هذا الرجل يسير الى النجاح بخطى واثقة وثابتة، وسيأتي يوم، اذا قيّض لهذا الوطن ان يرتاح ويستقر ويسلك طريق السلام، يستعيد فيه سعد الحريري بالتفاهم والتوافق مع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الحالة الوطنية الصافية التي كان فيها لبنان في العام 1943 عندما استعاد استقلاله ووحدته وعيشه الواحد، المبنية على مبادئ الميثاق الوطني، التي اهمها ان لبنان العربي لن يكون يوماً ممراً او مستقراً لاي تآمر او اعتداء على اي دولة عربية شقيقة.
الذين راهنوا على سعد الحريري، ربحوا وربح معهم لبنان.