كتبت ميرفت سيوفي في "الشرق": قد يلتبس أو يلبس على البسطاء من الناس أن البعض يجد في رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع شخصية كان ينقسم فيه عموم الجمهور اللبناني فئتين اثنتين لا ثالث لهما، فهما بين محب مؤيد للرجل أو كاره له، إلا أن فئة ثالثة بدأت تتوسط الفئتين السابقتين، هي تلك التي تتفاجأ كل مرة بشخصية رجل الدولة التي يسجلها سمير جعجع بهدوء ووقار ومنطق وحجة سياسية بالغة في كلامه، ربما لأن ظلال الشخصية العسكرية خلال الحرب اللبنانية ما زالت عالقة في ذاكرتها، وهي بهذا تظلم الرجل، فمعظم وجوه السياسة في لبنان خرجت من ميليشياويتها إلى مناصب الرئاسة والنيابة والوزارة، حتى إيلي حبيقة، دخل إلى الوزارة من دون أن يقال له حتى "إغسل يديك من الأحمر القاني قبل الدخول"!!
والملفت أن الدولة اللبنانية دخلت في صمت العاجز منذ أطل أمين عام "حزب الله" وحدد معادلات الحرب المقبلة، ولم يكن اللبنانيون يحتاجون إلى من يفسر لهم أنهم إن وقعت الحرب "ما رح يضل منهم مخبر" بحسب هذه المعادلة، إلى أن كسر هذا الصمت المروع الذي لاذ به المسؤولون عن أرواح الناس قبل لقمة العيش وتحسين الاقتصاد وخفض سن الاقتراع في الانتخابات البلدية، ربما لأن "التوافقية" اللبنانية ليست أكثر من عملية "خصي" لأهلها بكل ما للكلمة من معنى، وبالتأكيد تلحق بالتوافقية، كل مصطلحات "الوحدة الوطنية" و"الائتلاف الوطني" و"الوفاق الوطني"، مع أننا انتابتنا "هبة" العبور إلى الدولة، إلا أن هذه الدولة على ما يبدو تجاوزت "سن اليأس" بمراحل، وإن بشرنا بها يكون حالنا كحال "سارة" عندما "صكت وجهها وقالت عجوز عقيم"!!
جيد أن هناك في هذا الـ "لبنان" رجل سياسة كسمير جعجع، يخرج على اللبنانيين ويخاطبهم بكلام "واضح" لا "خطبجية" فيه، والمفارقة، أن سمير جعجع تحديدا لا يجدون ما يردون به عليه سوى "نبر" ماض كلهم متورطون فيه، إلا أنه الوحيد الذي نراه يتصرف على أنه رجل دولة من طراز رفيع، لا "يزعوط" في وجوه اللبنانيين مهددا بالويل والثبور وعظائم الأمور، بل يخاطب الناس بهدوء وبعقلانية شديدة، وبمنهجية، وفي لحظة مفصلية من تاريخ المنطقة الملتهب والموشك على الانفجار، أليس من المدهش أن سياسيا واحدا لم يهب ليدافع عن الدولة "البكماء" إلا سمير جعجع الذي تكال له تهم "الكنتنة" و"الفدرلة"!!
عندما يتحدث الدكتور جعجع طارحا الأسئلة البديهية بعد خطاب الحرب المدمرة التي يعدوننا بها متسائلاً: "نرى في السنوات الأخيرة التحضيرات الإسرائيلية من ملاجئ ودفاع مدني بكل معنى الكلمة، فهل النبطية مثلا مجهزة بالملاجئ كما يجب ولها مراكز إسعافها؟"!! وعندما يتصرف الدكتور جعجع بحكمة بالغة وبسياسة شفافة جدا متمنيا على أمين عام "حزب الله" ان يعتبر خطابه اقتراحا ويحمله لوزرائه ويطلب منهم مناقشته في مجلس الوزراء الذي يعود له امر اتخاذ القرار بهذا الشأن، وهو المخول اتخاذ القرارات العملية في مواجهة المخاطر الخارجية"، فهذا يأتي من ضمن سياق ما يقال لنا من اننا في كنف "حكومة ائتلاف وطني"، ومع هذا لا نسمع ردا، وكأن تقرير الحرب أمر مفروغ منه، وهو سيخاض باسم الدولة اللبنانية رغم أنفها!!
وعندما يذكر جعجع بمقولة أمين عام حزب الله: "أنا أفتخر أن أكون فردا في حزب ولاية الفقيه"، ويدعو إلى فك الارتباط بين ولاية الفقيه والذراع العسكري لـ"حزب الله" بوضع قرار الحرب والسلم في يد الدولة اللبنانية بالكامل وبمجرد حصول هذا، يكون قد تم الانتقال من مكان إلى مكان آخر مختلف كليا، فهو يتصرف بما تمليه عليه مسؤوليته تجاه لبنان كرجل دولة … وحول هذه النقطة تماما ندرك أن الصوت الذي رفعه جعجع وسط صمت النعام الذي يعيشه لبنان مترقباً ليس أكثر من صرخة في مهب ولاية الفقيه، فقد حان الوقت أن يدرك سياسيو لبنان أن "العقائدي" لا يخاطب بـ"السياسي"!!
فالولي الفقيه سبق وعرفه السيد حسن نصرالله: "الفقيه هو ولي الأمر زمن الغيبة، وحدود مسؤوليته أكبر وأخطر من كل الناس، ويفترض فيه إضافة للفقاهة والعدالة والكفاءة، الحضور في الساحة والتصدي لكل أمورها حتى يعطي توجيهاته للأمة التي تلتزم بتوجيهاته. نحن ملزمون باتباع الولي الفقيه، ولا يجوز مخالفته. (مجلة العهد العدد 148 الصادرة في 24 نيسان 1987)، بعد هذا الشرح لا يعود الحديث عن فك الارتباط بالولي الفقيه ممكناً!! وعندما يؤكد الشيخ نعيم قاسم في كتابه "حزب الله، المنهج، التجربة، المستقبل": أن الولي الفقيه هو الذي يملك قرار الحرب أو السلم"، لا يعود كل الكلام عن استعداد وجهوزية وصواريخ ومفاجآت "حزب الله" وعدوانية إسرائيل المحتملة ذو قيمة فقرار الحرب والسلم يأتي من إيران، وحياة وموت ومصير اللبنانيين ووطنهم ودولتهم في يد مرشد الجمهورية علي الخامنئي وهو صاحب الأمر والنهي، لا "تقية" الحديث في الدفاع عن لبنان والشعب اللبناني!!
وعندما يكتب حسين شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة كيهان الايرانية آب 2006 وبعد كل الدمار الذي حل بلبنان والأطفال الذين استشهدوا في المجازر: "إن "حزب الله" لا يقاتل من اجل السجناء ولا من أجل مزارع شبعا أو حتى القضايا العربية أيا كانت وفي أي وقت، وإنما من أجل إيران في صراعها لمنع الولايات المتحدة من إقامة شرق أوسط جديد"، ندرك عندها أن لبنان ليس أكثر من رهينة في قبضة إيران ستحرقه متى احتاجت الدفاع عن مشروعها النووي الإيراني.. وإذا كان حرب تموز 2006 حرب تحريك ملف استرجاع الدبلوماسيين الإيرانيين الأربعة، فالحرب المقبلة حرب العقوبات واليورانيوم المخصب!!
ندرك أن سمير جعجع يعي كل هذه التفاصيل إلا أن موقف رجل الدولة يستدعي منه أن يتحدث بحكمة وهدوء ومنطق، وأن يحاول أن يقترح مخارج، ويظل يحسب لسمير جعجع أنه حسم كل طق الحنك الذي يجتره أدعياء الوطنية والممانعة ودعم المقاومة، عندما أطل عشية 14 شباط على شاشة المستقبل معلنا: "إذا ما تعرض لبنان لاعتداء إسرائيلي، فورا يتوقف أي نقاش سياسي، وسنكون صفا واحدا في المواجهة"، ولكن ما لا يريده اللبنانيون أن يساقوا كالنعاج إلى "مذبحة" المواجهة!!