هل صارت إيران هي الحل وهي المشكلة في المنطقة ؟
2010 سنة السباق المحموم بين السلام والحرب
ترى مصادر ديبلوماسية عربية أن المنطقة تواجه سباقاً محموماً بين احتمالات الحرب واحتمالات التوصل الى اتفاقات سلام، وهو ما ينبغي رصده ومراقبته باهتمام حتى نهاية السنة الجارية. لكن السؤال المطروح هو: مَن هي الجهة التي تملك مفتاح السلام ومَن هي الجهة التي تملك مفتاح الحرب أو تملك الاثنين معاً؟
ثمة مَن يقول أن سوريا هي التي تملك مفتاح السلام إذا ما تم التوصل الى اتفاق بينها وبين اسرائيل بحيث تستطيع بموجبه أن تستعيد الجولان المحتل وأن يكون لها دور سياسي في المنطقة ولا سيما في لبنان، فيطمئن الحكم فيها الى أمنه واستقراره كونها تعتبر أن أمنها من أمن لبنان وأمن لبنان من أمنها.
لكن هل تستطيع سوريا إذا ما توصلت الى هذا الاتفاق مع اسرائيل أن تمنع مرور الاسلحة الى "حزب الله" عبر أراضيها من دون أن يؤثر ذلك على تحالفها مع ايران التي ستطلب منها الاستمرار في تسهيل مرور هذه الاسلحة وترفض تالياً عقد اتفاق سلام مع دولة تريد إزالة وجودها من المنطقة؟ وهذا ما يضع سوريا بين خيارين: إما عقد اتفاق سلام مع اسرائيل يعيد اليها أراضيها المحتلة، وفك تحالفها مع ايران إذا رفضت عقد مثل هذا الاتفاق، وإما المحافظة على تحالفها مع ايران ولو أدى ذلك الى استمرار احتلال اسرائيل هضبة الجولان، مع البقاء حول مدار الفلك العربي.
وثمة مَن يقول ان التوصل الى اتفاق سلام بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية هو الذي يفتح أبواب السلام الشامل في المنطقة وينهي الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي والصراع العربي – الاسرائيلي، لأن القضية الفلسطينية هي لب أزمة الشرق الاوسط وعلة انتشار أعمال العنف والارهاب في المنطقة وخارجها. فإذا ما صار حل هذه القضية حلاً عادلاً، فإن هذه الاعمال تتوقف، ولا تعود القضية الفلسطينية مادة للمتاجرة السياسية والمزايدات، ليس حباً في تسويتها بقدر التوصل الى تسوية لمشكلات مع مَن يتاجرون بها ويحولونها قميص عثمان. وبالتوصل الى تسوية هذه القضية يتم التوصل بسهولة الى تسوية مع سوريا ولبنان ودول المنطقة.
لكن هل في استطاعة سلطة فلسطينية منقسمة على نفسها التوصل الى اتفاق سلام مع اسرائيل يقبل به طرف فلسطيني ولا يقبل به طرف آخر، وهو ما حصل بالنسبة الى اتفاقات عقدت في الماضي ولا سيما اتفاق أوسلو، إذ ظل الفلسطينيون منقسمين بين مَن يؤيد هذا الاتفاق ومن يعارضه حتى بقوة السلاح والعمل الفدائي. وقد يكون من الصعب تحقيق المصالحة بين الفلسطينيين كي تعود السلطة لتفاوض اسرائيل من موقع قوة والتزام ما يتم الاتفاق عليه فلا يظل طرف فلسطيني يتأثر بموقف خارج عربي ودولي وطرف يتأثر بموقف خارج آخر وكلاهما في صراع وتنافس على النفوذ في المنطقة.
والى وجهتي النظر الآنفتين، ثمة مَن يقول أن التوصل الى اتفاق سلام بين لبنان واسرائيل وحتى الاكتفاء بالعودة الى الهدنة المعقودة بينهما عام 1943، هو الأسهل من أي اتفاق مع الآخرين، لأن لا خلاف على انسحاب اسرائيل من بقية الاراضي اللبنانية المحتلة، إنما الخلاف هو على مدى قدرة السلطة اللبنانية على حفظ الأمن والاستقرار على طول الحدود مع اسرائيل إذا ظل "حزب الله" محتفظاً بسلاحه وبقيت تنظيمات فلسطينية مسلحة تتحرك داخل المخيمات وخارجها وتقوم بعمليات ضد اسرائيل، وترفض مع "حزب الله" التخلي عن سلاحها إلا بعد أن يتحقق السلام الشامل والعادل في المنطقة كي يزول خطر اسرائيل. أضف الى ذلك هل يستطيع لبنان الاتفاق مع اسرائيل حتى بالعودة الى اتفاق الهدنة إذا لم توافق سوريا ويوافق "حزب الله"؟
وبما ان اسرائيل لا تعيد أرضاً عربية تحتلها مجاناً بل مقابل ضمان أمنها لأنه هو السبيل الى تحقيق سلام دائم وثابت، فإنها تفتش عن الجهة القادرة على تحقيق ذلك.
الواقع أن ايران قد تكون تحاول أن تكون هذه الجهة لأنها هي التي "تمون" على حركة "حماس" في فلسطين وخارج فلسطين وتمدها بالمال والسلاح، وهي التي "تمون" على "حزب الله" كونها تمده ايضاً بالمال والسلاح، فإذا صار اتفاق بين ايران ودول الغرب على موضوع الملف النووي أو على أن يكون لها دور محوري في المنطقة ولا سيما في العراق وفي أفغانستان، فإن تبلور الوضع في كلا الدولتين خلال السنة الجارية يساعد على حل المشكلة مع ايران أو يزيدها تعقيداً، فتصبح المنطقة عندئذ قريبة من الحرب المدمرة وبعيدة عن السلام.
أما التوصل الى اتفاق وتفاهم مع ايران، فإنه، في رأي ديبلوماسي أوروبي، يفتح الباب لحل كثير من المشكلات في المنطقة، وهو ما كان قد صرّح به مسؤول ايراني قبل سنة، منها المشكلة الفلسطينية، ومشكلة سلاح "حزب الله" وتنظيمات فلسطينية وغير فلسطينية، والوضع في العراق وفي أفغانستان والحؤول دون تجدد القتال في اليمن وترسيخ الأمن والاستقرار في دول الخليج.
الواقع أن ايران باتت لها الأولوية في المنطقة، ولا بد من معالجة المشكلات معها، لأنها تملك مفاتيح الحلول لها، وهو ما جعل رئيس وزراء فرنسا فرنسوا فيون يقول خلال زيارته دمشق: "إن ملف ايران مرتبط بالسلام والأمن في الشرق الاوسط وأن طريق السلام يمر عبرها". وأعرب عن أمله في أن تساعد سوريا في الجهود المبذولة "لجعل ايران تتراجع عن اتخاذ قرارات خطرة على السلام في العالم، وان تغير في موقف الحكومة الايرانية التي لا تحترم القواعد الدولية وتنتهك قرارات مجلس الأمن".
لقد بات واضحاً أنه من الصعب تحقيق سلام شامل في المنطقة من دون التوصل الى معالجة الملف النووي الايراني، هذا الملف الذي يحدث عدم معالجته انعكاسات على الوضع كاملاً في المنطقة، إذ أن ايران باتت تمسك بأوراق ضاغطة في فلسطين وسوريا ولبنان وغيرها لتحقيق السلام في المنطقة أو دفعها نحو الحرب.
وبما أن ايران باتت تملك مفتاح الحرب والسلام، فإن دول الغرب التي انفتحت على سوريا تنتظر نتائج مساعيها لدى حليفتها ايران كي تحدد خياراتها إذ أن سوريا لا تستطيع أن تستمر طويلاً في الجمع بين تحالفها مع ايران وانفتاحها على دول الغرب والدوران في الفلك العربي. لكن مَن هي الدول أو الدولة المستعدة أو القادرة على دفع الثمن الذي تطلبه ايران لحل مشكلات المنطقة وتجنب حمل وزر حرب مدمرة؟ وهل الثمن هو السماح لإيران بأن تصبح دولة نووية مثل غيرها، أو أن يصبح لها دور محوري في المنطقة ولا سيما في العراق وأفغانستان، أم أن مؤتمراً دولياً للسلام هو الذي يتحمل مسؤولية الحلول لهذه المشكلات؟
إن الأشهر المقبلة هي التي تجيب عن ذلك مع انتهاء شوط السباق بين الحرب والسلم في المنطقة.
