منذ ان نالت الحكومة الثقة كان واضحاً انها من خلال تركيبتها والظروف التي رافقت تشكيلها لن تكون حكومة تحسم القضايا الكبرى المطروحة في البلاد، ولا سيما منها المعضلة الكبيرة التي يشكلها "حزب الله" بمشروعه المسلح. وكان واضحاً ايضا ان الحكومة التي يرئسها سعد الحريري لن تتعامل بجذرية مع قضايا تتصل باستكمال تجميع عناصر السيادة الوطنية، إن لناحية التدخل السوري المستمر في الشؤون اللبنانية ( تحت مظلة المصالحات العربية)، او لناحية انتزاع لبنان من اجندات خارجية تمثل خطرا كبيرا عليه مثل الاجندة الايرانية. كان من شأن الحكومة، كما اوضح الحريري اكثر من مرة، ان تحاول التصدي لشؤون الناس الحياتية، مستفيدة من حال الاستقرار المعقول، ومن تفاهم اقليمي وداخلي على تغليب التهدئة السياسية الى ابعد الحدود. وقد حاول الحريري القول للناس إنه في ظل استحالة الخروج من صيغة "الدوحة" المفروضة بالسلاح، لا بد من الالتفات الى الاقتصاد والتنمية والخدمات لتحسين شروط حياة اللبنانيين. والهدف من ذلك ان تكون الحكومة المسماة "حكومة وحدة وطنية " حكومة تنجز على الاصعدة التي تشكل اجماعا لدى اللبنانيين جميعا بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية والدينية والمناطقية.
حتى اليوم لم تتمكن الحكومة من الانجاز، وبات الحديث اليوم يتركز على اسباب ما يسمى "الشلل" الحكومي على اعتبار ان ما يحصل يقترب شيئا فشيئا من الخطوط الحمر. فإضاعة الوقت هي السمة الغالبة على اعمال الحكومة ككل بما يدفع الى التساؤل مرة جديدة عن جدوى تشكيل حكومات وحدة وطنية فضفاضة تعجز عن انجاز الحد الادنى في جميع المجالات. فالتوافق الذي وضع كشرط لازم في الحكم يشله باستمرار، والتهدئة التي يتمسك بها الجميع تحول دون مساءلة معنوية في حدها الادنى في حق التعطيل والمعطلين. اكثر من ذلك، ثمة من يقرأ في الشلل الحكومي مزيدا من ابتزاز رئيس الحكومة في السياسة، يترافق مع رسائل من خلف الحدود تقول ما مفاده إن زيارة دمشق ليست مجرد "نزهة" ما إن انتهت حتى عاد كل شيء الى حاله !
و في جانب آخر من المشهد، نرى الشرعية اللبنانية الغائب الاكبر عن مسار لبناني – اسرائيلي سيؤدي حتماً الى حرب في غضون اثني عشر شهرا من الآن. فمع انتهاء حرب 2006 بين "حزب الله" واسرائيل يلاحظ ان الطرفين يعدان للجولة المقبلة التي ما عادت بعيدة. ويكاد يكون الحديث عن حرب في لبنان الاكثر جدية من الحديث عن حرب على ايران على خلفية نزاعها النووي مع المجتمع الدولي. وما عاد سرا ان مناطق لبنانية بأسرها باتت تتهيأ لحرب مقبلة. ولكن الخطر الاكبر اليوم هو ان تمدد "حزب الله" الى خارج الجنوب والبقاع الشمالي وصولا الى جبل لبنان وقلب بيروت ينذر بكارثة على لبنان بأسره : سيقتل آلاف اللبنانيين، وستدمر قرى وبلدات بأسرها ومعها مرافق عامة هي ملك كل اللبنانيين، وفي النهاية سيخرج احدهم من بين الركام ليعلن انتصاراً "الهياً"….
ما يعوزنا في لبنان اليوم هو الحد الادنى كي يستمر اللبنانيون. فالافراج عن العمل الحكومي ضرورة قصوى لأن لبنان المحروم التعامل مع قضاياه المصيرية، والمحروم اي انجاز في القضايا الحياتية والمعيشية، هو لبنان المحكوم بمزيد من التشتت، والهجرة، والنزف. وفي النهاية لن يعيش فوق الخرائب سوى الغربان… وما أكثرهم اليوم!