لا تنبئ التطورات والمعطيات المتصلة بالمشهد الإقليمي من زاويتيه الإيرانية والإسرائيلية بكثير من الإيجابية، بل توحي بتحوّل "حديث الحرب" القائم منذ بدايات العام 2009 على المستويين الأميركي الإسرائيلي من جهة، والإيراني من جهة ثانية، والذي يستفيد منه الطرفان بالتوازي، إلى "وقائع حرب" قد تتمدد، وفقاً للسيناريوات التي تروّج، لتشمل أكثر من بقعة في الإقليم.
إيران وسياسة حافة الهاوية
وبحسب هؤلاء، فإن إيران التي أعلنت استعدادها لشراء الوقود لمفاعلها النووي المخصص لـ "البحث الطبي" أو لمبادلة مخزونها من اليورانيوم المخصب في مقابل الوقود على أراضيها، في أول ردّ إيراني مكتوب إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية وعبرها إلى المجموعة الدولية المعنية بالملف النووي الإيراني، لم تقدم شيئاً بمقدار ما كررت مطالبها الشفوية بأخرى مكتوبة في مسعى لتغيير الاتجاه الدولي المتنامي نحو التشدد حيال هذا الملف بمزيد من العقوبات النوعية.
سبق ذلك، إعلان إيران، على لسان الرئيس أحمدي نجاد، مباشرة تخصيب اليورانيوم بنسبة عشرين في المئة، وقوله إنه يتوقع حرباً إسرائيلية بين الربيع والصيف، فيما تجري بلاده بشكل دوري تجارب على أنظمة صاروخية جديدة، وتهدد بإشعال المنطقة، وأخيرا التهديد بإقفال مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.
هذا التطورات مقروءة بعد زيارة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون الأخيرة إلى دول خليجية بصحبة عدد من كبار القادة العسكريين (رئيس الأركان المشتركة وقائد القيادة المركزية)، وعدد من نوابها ومساعديها، لإبلاغ رسالة مفادها جدية الولايات المتحدة في منع إيران من إنتاج أسلحة للدمار الشامل باعتباره موقفاً أميركياً وموقف لمجموعة "5 +1" أيضاً، يحيل إلى نتيجة مفادها، بحسب هؤلاء المطلعين أيضاً، بأن العقوبات تؤجّل الحرب ولا تلغيها… تؤخرها لكن لا تحول دونها.
وأكثر من ذلك فإن عواصم القرار لم تقتنع بإعلان طهران مباشرة التخصيب، وهي تؤكد عدم قدرة الإيرانيين تقنياً على هذا الأمر حتى الآن، وبالتالي فثمة شكّ دولي بالإعلان الإيراني يشي بأن هدف طهران من وراء موقفها هذا استدراج عروض تفاوضية أحسن تفضي إلى التسليم لها بدور "الشريك الرئيس" في رسم السياسات الإقليمية الجديدة، وبالتالي فهي تضغط على المجتمع الدولي باللعب بينَ المفاوضات وبينَ حافّة الهاوية.
وسطَ هذه التطوّرات، كانَ الخطابُ الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله الذي هدد فيه إسرائيل بضرب بناها التحتية إن هي اعتدت على لبنان، ثم اتصال نجاد بنصر الله مؤيداً موقفه وداعياً إياه إلى "إزالة الكيان الصهيوني من الوجود". ما أوحى بأن مواقف السيد نصر الله كانت أبعد من الإطار اللبناني وأنها تصب في إطار النزاع الإقليمي الأوسع.
إسرائيل والهروب إلى الأمام
وفي مقابل انسداد الخطّ التفاوُضي الإيراني- الدولي، ثمة تعثُّر للخط التفاوُضي الإسرائيلي – الفلسطيني، الذي شهد خلال عام 2009 عشرات الجولات المكوكية من جانب المبعوث الأميركي جورج ميتشل من دون تحقيق تقدم ملموس في إعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات لبحث الرؤية الأميركية الجديدة لإعادة إحياء عملية السلام. ولذلك فإن تل أبيب تروّج لسيناريو حرب شاملة ضدّ إيران ولبنان وقطاع غزّة، تجرّ إليها واشنطن وتعرض لذلك أسباباً مختلفة من بينها الخوف من النووي الإيراني، والخوف من صواريخ "حزب الله" وقُدُراته القتالية.
وبحسب مصادر ديبلوماسية، فإن المواقف الإسرائيلية التصعيدية الأخيرة، والمتناقضة أحياناً لمسؤولين اسرائيليين مثل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع ايهود باراك ووزير الخارجية افيغدور ليبرمان تشكّل مؤشراً لهشاشة الائتلاف الحاكم وكذلك لعدم قدرة الحكومة الإسرائيلية على المضي قدما في اتجاه السلام على أي من المسارات السلمية مع الدول العربية المعنية.
وتعتبر هذه المصادر أن الحكومة الاسرائيلية مقيدة بواقع لا يمكنها ان تتجاوزه نتيجة النظام الذي على أساسه أجريت الانتخابات الأخيرة بحيث تبدو عاجزة عن إحداث خرق ما. وبالنسبة إلى القيادة الإسرائيلية فان المسار الفلسطيني الذي يشكل أولوية بالنسبة الى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يقدم الذرائع في ذاته لعدم التقدم إطلاقا نظراً إلى الانقسامات الفلسطينية الداخلية.
بعدَ هذه المقدّمات، ماذا بعد؟ سؤالٌ يطرح نفسه، فهل ستبقى الأمور في المنطقة ضمن إطار الضغوط والضغوط المضادّة، أم تتجه نحو الحرب؟
في المعطيات التي تعرضها مصادر ديبلوماسية مطلعة، إشارة إلى قراءات متباينة لدى الأطراف الدولية لا تشي بترجيح احتمال على آخر، بل تعطيهما النسبة عينها من إمكانية التحقق، وتربط غلبة خيار الحرب أو نقيضه بمجموعة معطيات تراكمية.
فالذي يظهر، بحسب هذه المصادر، أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لن تفاوض بشروط أوسلو وحدود عام 1967، حتى لو لم تكن هناك صواريخ أو تهديدات. والولايات المتحدة لا تقبل الشراكة الإيرانية لا في مناطق النفوذ، ولا في القُدُرات الصاروخية والنووية، لن تسمح بتهديد إسرائيل، وهم أكثر من ذلك – يريدون استدراج إيران إلى نزاع مباشر. أما الإيرانيون فهناك من يقول إنهم لن يتراجعوا عن الخطوط التي بلغوها في سائر النواحي الجيوـ سياسية أو التسلُّحية، وهم مستعدون للدفاع عنها ولو بالحرب.
وهناك من يرى أن قرار الحرب على إيران قد اتخذ، وأن تحديد التوقيت هو الذي يخضع للتحليل والتقويم، فيما يؤكد آخرون أن أحداً لا يريد الحرب مع إيران أو عليها، ويفضل عليها العقوبات التي تصيب هدفين في آن، أي تضعف موقف الحكومة الإيرانية تجاه شعبها، وتتهدد بخسائر اقتصادية هائلة، فيما الحرب تدفع باتجاه توحد الايرانيين خلف قيادتهم. ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن واشنطن لن تسمح لتل أبيب بجرها إلى مغامرة لا تريد الانجرار إليها وستكون تداعياتها قاسية وشديدة الكلفة، وجلّ ما تسمح به هو التهديد الردعي من دون الوصول للحرب.
لكن ما بين هذا وذاك، تلتقي الآراء على احتمال وارد هو لجوء أي من الطرفين الإيراني أو الإسرائيلي، مباشرة أو بواسطة، إلى المغامرة في لحظة معينة وعلى تقاطع ظرف سياسي واستراتيجي معين للهروب إلى الأمام لتجاوز مآزقه. ويندرج في هذا المناخ، الحرب المخابراتية التي تتضمن رسائل وشيفرات لا تزال قيد التحليل. ففي وقت لم تنته تداعيات إغتيال القياديّ في حركة "حماس" محمود المبحوح في دبي على يد "الموساد" الإسرائيليّ، أعلنت إيران عن اعتقال زعيم حركة "جند الله" عبد الملك ريغي الذي تتهمه بتدبير عدد كبير من الهجمات المسلحة ضد مسؤولين كبار في الحرس الثوري متهمة أجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية بدعمه وتمويله وتأمين غطاء لتحركاته. في رواية لا تزال تخضع للتحليل والمقارنة.
ومن نافل القول إن الوضع الإقليمي غير المطمئن، يفرض تحديات داخلية على لبنان تتجاوز النقاش اللامتناهي حول الإصلاحات البلدية وسن الاقتراع والغاء الطائفية في بلد تبدو أزمته متعلقة بمصير الدولة والوطن أكثر منها في النظام النسبي أو الأكثري، إذ تنذر هذه الخلافات إلى فشل تجربة حكومة الوحدة الوطنية بعرقلة النمو وتكبيل الاقتصاد وزيادة المديونية إلى الثمن الكبير الذي سيدفعه هذا البلد في حال الاعتداء عليه، أو جرّه إلى حرب لا يقررها.