بعدما تعذّر إنجاز التوافق السياسي على الإجراءات الموازنة الى مجلس الوزراء بالحدّ الأدنى من التفاهم …لا مفرّ من الضرائب لتغطية الإنفاق والمسؤولية مشتركة
كتبت سابين عويس في "النهار": "ثمة حاجة الى الانتظار أكثر". بهذه العبارة يختصر مصدر وزاري ما وصلت اليه تحضيرات وزارة المال لمشروع قانون موازنة 2010، مشيرا الى أن الوزارة كانت تتريث في رفعه الى مجلس الوزراء رغم انقضاء المهلة التي حددها البيان الوزاري في نهاية كانون الثاني الماضي، وذلك في انتظار انجاز رئيس الوزراء سعد الحريري ووزيرة المال ريا الحسن مشاوراتهما مع القوى السياسية حول الاجراءات الضريبية التي سيتضمنها المشروع لتغطية الانفاق الزائد.
ولكن هذه المشاورات لم تفض في الواقع الى تفاهم تام على الاجراءات المقترحة، يضيف المصدر الذي لمس من نتائج المشاورات أن ثمة رغبة في "المماطلة" ترمي الى تأجيل المناقشة على طاولة مجلس الوزراء ليتم عندها ابداء الرأي بالاجراءات المقترحة عوض الدخول في تفاهمات قد لا تصمد في رأي قوى معارضة عند طرح المشروع على التصويت.
هذا الوضع يجعل رئيس الوزراء وفريقه الاقتصادي في موقع تحمل مسؤولية العبء الضريبي على أساس انه هو من اقترحه، ويضعه تاليا في مواجهة النقمة الشعبية التي ستترتب عن أي اجراء ضريبي جديد، في حين ان اللجوء الى هذا العبء فرضه مبدأ زيادة انفاق الوزارات والذي بلغ نحو الفي مليار ليرة.
هل يحمل رئيس الوزراء تبعة الزيادات الضريبية المقترحة بمفرده، وماذا سيكون موقف وزراء المعارضة عند طرح مشروع الموازنة على طاولة مجلس الوزراء.
لا تستبعد مصادر وزارية ان تبادر وزيرة المال الى رفع المشروع في نهاية هذا الاسبوع او مطلع الاسبوع المقبل الى مجلس الوزراء، بعدما اصبح شبه مؤكد أن المشاورات الحكومية لن تفضي الى أي تفاهم رغم نصيحة رئيس مجلس النواب نبيه بري للرئيس الحريري بضرورة التشاور مع القوى السياسية قبل اللجوء الى اي اجراءات ضريبية جديدة.
وفي هذه الحال، سيكون على الوزيرة الحسن التقدم بمشروعها كما اعد، وهي أمام خيارين:
– اما تقديم مشروع يلحظ زيادة الإنفاق المرتقبة تلبية لحاجات الوزارات على أن تقابلها اجراءات ضريبية تتمثل بزيادة الضريبة على القيمة المضافة من 10 الى 15 في المئة، وزيادة الضريبة على الارباح من 15 الى 20 في المئة، وعلى التوزيع من 5 الى 10 في المئة، وعلى الفوائد المصرفية من 5 الى 7 في المئة، في مقابل بعض الخفوض في مطارح ضريبية اخرى تساهم في تسهيل معاملات المكلفين وتخفف من تعقيداتها اضافة الى تحسين بعض التقديمات الاجتماعية.
– التزام سقف الانفاق كما كان عليه عام 2009 اي 17167 مليار ليرة منها (منها 6087 مليارا خدمة دين ) مع زيادة محدودة تغطي حاجات انفاقية ملحة اضافة الى خدمة الدين التي ستزيد عمليا عما كانت عليه في 2009 على أن تغطى الزيادة المرتقبة بتحسين الايرادات وكانت الايرادات شهدت تحسنا في 2009 بنسبة 20 في المئة وقد بلغت 12705 مليار مليارات ليرة 6552 مليارا من عائدات الضريبة على القيمة المضافة والرسوم الجمركية ورسوم البنزين. وهذا التحسن اذا تم العمل عليه جدياً، من شأنه أن يغطي الزيادة المرتقبة في الانفاق. وترى مصادر وزارة المال انه لم يتم بعد استنفاد كل الايرادات الممكن تحصيلها، وان اقرار مجموعة من الاصلاحات المالية والضريبية لضبط عمليات التدقيق والتحصيل سيؤدي الى تحسين الجباية من دون الحاجة الى اللجوء الى الزيادات الضريبية.
وترى المصادر الوزارية ان تقديم مشروع قانون خال من الزيادات الضريبية ومن الانفاق الاضافي سيحرج الفريق الآخر ويدفعه الى طلب زيادة الانفاق، وخصوصا ان غالبية الانفاق الاضافي المطلوب تعود الى وزارات في يد المعارضة، وسيكون تاليا اي توجه لاجراءات ضريبية جديدة مسؤولية مشتركة بين كل مكونات القوى السياسية في الحكومة.
وعلم ان عددا من وزراء المعارضة أعد اقتراحاته للبدائل الضريبية التي يمكن اللجوء اليها والتي ستعرض امام مجلس الوزراء، اذ يرشح ان يتم تبني عدد منها ولا سيما في مجال تنويع قاعدة الضرائب لتشمل الارباح العقارية والريوع.
ويستبعد ان تقر زيادة الضريبة على القيمة المضافة الى 15 في المئة وترى مصادر متابعة ان رفع السقف الى هذا الحد سيؤدي الى رفضه والقبول بزيادة الى 12 في المئة كما كانت مقترحة اساسا في برنامج الحكومة الى مؤتمر باريس3.
وينتظر ان تشكل البنود الاصلاحية المسحوبة من الموازنات السابقة والتي رفضت لجنة المال والموازنة النيابية ادراجها في مشاريع القوانين مادة تفاوض لإمرار الانفاق الاضافي للوزارات.
في أي حال، سيشكل طرح مشروع قانون موازنة 2010 خرقاً للجمود الحاصل على صعيد العمل الحكومي وتحريكاً له، لكن السؤال: هل سيكون هذا الاختراق لمصلحة تفعيل العمل الحكومي وايقاظه من سباته ام مدخلا لخرق الهدنة السياسية الهشة التي فرضتها اجواء التسوية والتفاهم والتي ادت في ما ادت الى تأجيل البحث في الملفات الاساسية الملحة تلافيا للتصادم وحفاظا على جو توافقي هو في الحقيقة "جمر تحت الرماد "تكفي اي "حركشة" فيه لاشعاله.
الحكومة اليوم امام رهان وتحدي الدخول في مناقشة موضوعية وبناءة حول مشروع الموازنة وبنودها التي ستشكل عناوين التوجهات الاقتصادية والمالية العامة، علما ان كل التوقعات تؤشر الى سقوط الرهان. فهل يفرج على الاقل عن الموازنة ام تنتظر سلة التوافق المتكاملة؟