#adsense

أي نظام يلائم تركيبة لبنان ويحافظ على العيش المشترك ؟

حجم الخط

بعد انتهاك دور ميثاق 43 وبدء المطالبة بتعديل اتفاق الطائف
أي نظام يلائم تركيبة لبنان ويحافظ على العيش المشترك ؟

يدور البحث والنقاش في غير وسط رسمي وسياسي وشعبي حول اي نظام يصلح لتركيبة لبنان الدقيقة ويحافظ على العيش المشترك والوحدة الوطنية لانه من دونهما يصبح وجود لبنان كيانا وهوية واستقلالا في خطر.

لقد اتفق اللبنانيون بغالبيتهم عام 1943 على ما سمي "ميثاق 43" غير المكتوب الذي اعطى بالعرف وليس بموجب الدستور رئاسة الجمهورية للموارنة ورئاسة مجلس النواب للشيعة ورئاسة الحكومة للسنة، وظل رئيس الجمهورية يتمتع بالصلاحية الواسعة التي كان يتمتع بها المفوض السامي الفرنسي زمن الانتداب على لبنان.

وقد اثارت هذه الصلاحيات عندما كان بعض رؤساء الجمهورية يسيئون استخدامها حفيظة الشريك المسلم الذي اخذ يشعر بانه مواطن من الدرجة الثانية، وان في البلاد اولاد ست واولاد جارية، اذ ان رئيس الجمهورية كان يتمتع بصلاحيات تعيين الوزراء واختيار رئيس للحكومة من بينهم، وبصلاحية اقالة الحكومة والوزراء وحلّ مجلس النواب وتوقيع ما يريد من المراسيم او عدم توقيعها ساعة يشاء.

هذه الصلاحيات الواسعة التي كان يتمتع بها رئيس الجمهورية جعلت كل مرشح لرئاسة الحكومة يحاول كسب وده ورضاه وكذلك كل مرشح لرئاسة المجلس وكل مستوزر او راغب في الترشح للنيابة، بحيث اصبح رئيس الجمهورية كما كان يوصف "ملكا على جمهورية" ورئيس الحكومة "باشكاتب" واصبح كل عهد يحكم برئيس للجمهورية، ورئيس لمجلس النواب ورئيس للحكومة موالين له ومن خط سياسي واحد، واحيانا من حزب الاكثرية.

وعندما ارتفعت الشكوى من سوء استخدام بعض رؤساء الجمهورية الصلاحيات الواسعة الممنوحة لهم، اتُّفق بالعرف ومن دون تعديل دستوري، على ان تتم تسمية رئيس الحكومة بعد استشارات نيابية غير ملزمة يجريها رئيس الجمهورية، سواء بالنسبة الى اجرائها او بالنسبة الى نتائجها، كي يظل لرئيس الجمهورية هامش من التحرك، فلا تأتي نتائج الاستشارات لمصلحة مرشح لرئاسة الحكومة ليس على وفاق مع رئيس الجمهورية فيقع عندئذ الخلاف بين رأسي السلطة الاجرائية ويتحول في الغالب من خلاف سياسي الى خلاف مذهبي تهتز معه اسس العيش المشترك والوحدة الوطنية الداخلية، وهو ما كان يحصل ويبلغ احيانا حد ملامسة خطر الفتنة عندما كان بعض رؤساء الجمهورية لا يتقيدون بالعرف فيسمون هم رئيس الحكومة والوزراء ولا يلجأون حتى الى استشارات شكلية، فتتحرك المشاعر المذهبية ضد تصرفه هذا وتحدث احيانا ازمات وزارية يصعب حلها والخروج منها الا بعد وقت او بعد حصول اضطرابات امنية.

ومع ان ميثاق 43 لم يؤلف امة لانه قام على سلبيتين، كما وصفه الصحافي المعروف جورج نقاش في مقال شهير له في صحيفة "الاوريان" معبرا بذلك عن رأي شريحة من اللبنانيين، فان هذا الميثاق ادى دوره لسنوات، تخللها هدوء واستقرار حينا واضطراب واهتزاز حينا آخر، الى ان كانت الحروب الداخلية في لبنان وحروب الآخرين على ارضه وقد انتهت الى صيغة اتفاق جديد تم التوصل اليه في الطائف وسمي رسميا "وثيقة الوفاق الوطني اللبناني" المعروف باتفاق الطائف، الذي وافقت عليه غالبية اللبنانيين وعارضته فئة منهم لانه قلّص صلاحيات رئيس الجمهورية الى حد جعلته غير قادر على ان يكون الحاكم او الحكم، وجعل الاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة شرطا لتنفيذ عدد من المواد في الدستور من دون وضع آلية تحسم الخلاف بينهما عند حصوله، فلا يتولى الخارج ذلك، وكان الخارج يومها سوريا، عبر وصايتها على لبنان.

لقد حقق اتفاق الطائف الى درجة معقولة التوازن بين السلطات، ونصَّ على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في مجلس النواب وفي تشكيل الحكومة وفي تعيين موظفي الفئة الاولى مهما تبدل الوضع الديموغرافي، وذلك محافظة على صورة العيش المشترك والوحدة الداخلية في البلاد، كما حافظ على جوهر الشراكة الوطنية في السلطة وذلك بجعل كل حكومة تتمثل فيها كل المذاهب والمناطق بنسب متفاوتة والا كانت غير شرعية وغير ميثاقية، وجعلت نصاب جلسة مجلس الوزراء يتم بحضور ثلثي عدد الوزراء الذين تتألف منهم الحكومة، ولا يتم اقرار المواضيع الاساسية، المحددة في الدستور بـ14 موضوعا، الا بموافقة ثلثي عدد الوزراء عندما يتعذر التوافق عليها. وعلى رغم ان اتفاق الطائف حقق كل ذلك، فان اصواتا اخذت ترتفع مطالبة بتعديله قبل ان يتم تنفيذ ما تبقى من بنوده سواء لجهة الغاء الطائفية السياسية بعد انتخاب مجلس للنواب خارج القيد الطائفي وانشاء مجلس للشيوخ، وتطبيق اللامركزية الادارية. ولوحظ ان لكل من المطالبين بالتعديلات اهدافا، فمنهم من يريد تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية، ومنهم من يريد ابدال المناصفة بين المسيحيين والمسلمين بالمثالثة، ومنهم من يريد تطبيق "النظام الديموقراطي التوافقي" كنظام جديد يلائم التركيبة اللبنانية ويحافظ على العيش المشترك والوحدة الوطنية، بحيث لا تتم الموافقة على اي موضوع اساسي ومهم الا بالتوافق وليس باصوات الاكثرية مهما بلغت، ما دام لبنان يعيش في ظل نظام طائفي. وقد تبين من تجربة تطبيق هذا النظام الذي وضع اتفاق الدوحة اطارا له، انه نظام يخيّر اللبنانيين بين التوافق على كل موضوع اساسي ومهم حرصا على العيش المشترك والوحدة الداخلية والاستقرار والسلم الاهلي، او عدم التوافق، فتبقى المواضيع، وان مهمة وملحة، معلقة وتكون النتيجة شللا في مؤسسات الدولة وعجزا عن العمل والانتاج. واذا حسمت هذه المواضيع بتصويت غالبية الثلثين عملا بالنظام الديموقراطي العددي، وتطبيقا للدستور، فان الاستقرار والعيش المشترك والوحدة الداخلية تصبح في خطر.

هل يتفق اللبنانيون على نظام جديد يلائم التركيبة اللبنانية ويحافظ على العيش المشترك وعلى الوحدة الوطنية، وعلى حسن سير عجلة الدولة، وما هو هذا النظام الذي لا يختلفون عليه في ما بعد كما اتفقوا على ميثاق 43 ثم على ميثاق الطائف ثم اختلفوا عليهما؟
وفي انتظار ان يتفقوا على نظام جديد، يخشى ان يبقى لبنان الى اجل غير معروف من دون نظام ومن دون دستور، ويطبق "اتفاق الدوحة"، ليصبح الموقت دائما والعرف دستورا… فلا يتم عندئذ العبور الى الدولة بل الى الدويلات ولكل خارج فيها سلطة او ادوات…

المصدر:
النهار

خبر عاجل