توازن الرّعب" يستلزم تقييد العدوّ بجملة أمور معنوية يفترض أنها لا تقيدنا
محمود أحمدي نجاد.. من الممانعة إلى الاستشراق
عندما يتحدّث أهل الممانعة الإقليميّة عن "توازن رعب" مع العدوّ الإسرائيليّ، ثم عن "توازن إستراتيجيّ" ثم عن "تفوّق إستراتيجيّ" على هذا العدو، فإنّهم يعودون فيوضحون شروط ذلك.
الشرط الأوّل عندهم أن لا تكون القدرة التدميريّة التي نملكها في مواجهة ما لدى العدو من قدرات، مقيّدة بشيء آخر، خلا قوّة التصميم والإرادة، وقوّة الإقتناع بعدالة القضيّة، والإقتناع بأنّ العدوّ يمثّل الشرّ الخالص بكل تجليّاته.
أما الشرط الثاني فأن ينوجد هذا العدوّ مكبّلاً بشكل أو بآخر بقيود معنويّة وأخلاقيّة لا تسمح له بإستخدام كامل قدرته التدميريّة وتسمح لنا في المقابل بإستخدام هذه القدرة بالشكل الوافي والكافي، أي بأقصى ما نمتلكه منها.
والشرط الثالث لتحقيق مثل هذا "التوازن" ثم تحويله إلى "تفوّق إستراتيجيّ" هو التعامل مع العدوّ على أنّه يمثّل كامل إرث الإستعمار التاريخيّ وبالتالي خوض المعركة من حيث هي معركة معذّبي الأرض (نحن) ضدّ الإنسان الأوروبيّ الأبيض (إسرائيل)، وعلى هذا الأساس بالتحديد يمكن القول إن الديموغرافيا كما الأيديولوجيا تلعبان دوراً جوهريّاً في تثبيت "توازن الرّعب" هذا وفي جعله يتخذ صفة "التوازن الإستراتيجيّ" المرفّع إلى "تفوّق إستراتيجيّ" لأغراض الدعاية الحربية.
لكن الشرط الرابع يفترض شيئاً آخر. يفترض أن لا يكون الإنسان الأبيض في الغرب متضامناً مع الإنسان الأبيض المنتدب إلينا، أي العدو الإسرائيليّ. يفترض إذاً التعويل على تجدّد النزعة الكارهة لليهود في الغرب، كما التعويل على ثقافة "حقوق الإنسان" في الغرب، لأجل تعطيل شبكة التضامن الإستراتيجية التاريخية القائمة بين هذا الغرب وبين دولة الإستعمار الصهيونيّ.
ثمّة إذاً إنسجام منطقيّ في خطاب أهل الممانعة، لكنّه إنسجام منطقيّ محصور بتوفّر هذه الشروط الأربعة في وقت واحد، ولمدى زمنيّ معقول. فإذا ما تأمنت لدينا قدرة على إستخدام أقصى ما يمكننا إستخدامه من عنف مرعب وتدميريّ ضدّ عدوّنا الحضاريّ، وإذا ما تأمّنت في الوقت نفسه القدرة على تكبيل هذا العدوّ بقيود معنويّة وأخلاقيّة وإنسانيّة تجعله يخاف محاكم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وتحرّكات الجماهير في كافة أصقاع العالم، وإذا ما تأمّن فوق ذلك وعي تاريخيّ جذريّ بأنّ المعركة في الشرق الأوسط تتمّ من موقع معذّبي الأرض أجمعين ضدّ الإنسان الأبيض في أبشع أشكال إستعماره، وإذا ما تأمّن إمتناع الغرب عن نصرة إسرائيل بالشكل الذي عرفناه منذ تأسيسها وإلى نهاية الستينيات، حينها فقط يمكن إقامة "توازن رعب"، وحينها فقط يمكن إدغام "توازن الرّعب" بـ"التوازن إستراتيجيّ"، ثم ترفيع هذا الأخير إلى رتبة "التفوّق الإستراتيجيّ"، كتوطئة لـ"محو" إسرائيل من الخارطة.
لكن المشكلة، كلّ المشكلة، كما يقرّ المنطق الداخليّ لخطاب الممانعة نفسه، أنّ هذه العناصر الأربعة متضادة بين بعضها بعض، فضلاً عمّا يحتويه كل منها من تناقض. لتأمين كل واحد من هذه العناصر ينبغي على الأقل تعطيل عنصر آخر. فنظرية تكبيل العدوّ بقيود أخلاقية، وهي الدعامة "السريّة" لتوازن الرّعب، تفترض سلفاً توسّط "الأخلاق" في النزاع، الأمر الذي يؤدّي إلى تكبيل كل الأطراف، وكافة أصناف الرّعب بها. ونظرية التعامل مع إسرائيل على أنّها تمثّل "حرب الغرب علينا" لا تتوافق مع نظريّة فصل الغرب عن إسرائيل.
يسمح إستعراض العناصر الأربعة في خطاب الممانعة كما فكّكناه بالتوصّل إلى خلاصات أساسية يمكن إعتمادها كلمة سواء بين أهل الممانعة وبين أهل الإعتدال والرويّة من العرب.. أي يمكن أن تكون توطئة لـ"تحرير" الممانعة العربية من الممانعة الإيرانية.
الخلاصة الأولى أنه لا يمكن تكبيل عدوّنا التاريخيّ بالقيود الأخلاقية والإنسانية دون تكبيل الصراع نفسه بها. وأنّه من مصلحة العرب شعوباً وأنظمة (ممانعة ومعتدلة) تكبيل عدوّهم التاريخيّ بالقيود الأخلاقية والإنسانية، ما يفترض إذاً تكبيل الصراع مع هذا العدوّ بهذه القيود، فذلك في مصلحة العرب وليس في مصلحة اسرائيل، وتحديداً ليس في مصلحة أهل التطرّف والعدوان في إسرائيل.
الخلاصة الثانية أنّه لا يمكن التعامل مع الغرب بذهنية "صديق عدوّي هو عدوّ لي" وبذهنية "عزل عدوّي عن اصدقائه" في وقت واحد. لا يمكن الإنتفاع في الوقت نفسه من قراءة الصراع مع العدوّ على أنّه من موقع "معذّبي الأرض ضدّ الإنسان الأبيض" والإتكال في الوقت نفسه على تنامي النزعتين الكارهة لليهود والمحبّة لحقوق الإنسان لدى هذا الإنسان الأبيض.
وخطاب الممانعة يمانع أمام هاتين الخلاصتين ليس لأنّه لا يزال حبيس "المصالح الإيرانيّة" فقط، وإنّما لأنه لا يزال حبيس نوع من الخطاب الإستشراقي ممتزجاً ببقايا الخطاب الشعبويّ العالمثالثيّ، فالإستشراق هنا لا من موقع عظماء المستشرقين، وإنّما من موقع صغارهم اليسارويين، أولئك الذين يروّجون ليلاً ونهارا بأنّه يمكن الإعتماد في وقت واحد على تنامي النزعة الكارهة لليهود في الغرب، وعلى تنامي النزعة المحبّة لحقوق الإنسان في الغرب، والإتكال على ذلك لمحو إسرائيل.
في الشرق، يمثّل محمود أحمدي نجاد ذروة الإنبهار بهذا الخطاب الإستشراقيّ اليسراوي. وهو يلاقي هذا الخطاب بمخزون فلسفيّ من نوع خاص: مخزون يتصوّر أنّ الواقع شيء فيما الوجود شيء آخر، وأنّ الوجود الحقيقيّ موجود دوماً خارج الواقع، وأنّ كل ما يوفّره لنا الواقع من إمكانات ينبغي تسخيرها للخروج منه وهجرانه.. والسير إلى هناك.. إلى حيث الوجود الكامل.. الوجود الغائب.. العدم.